فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 318

ندب كالصدقة والسلف فإن انتدب لها المكلف حرم عليه طلب عوض عنها وكذلك المعروف كله، وذلك أن العادة الماضية في الأمم وخاصة العرب أن المرء لا يتداين إلا لضرورة حياته، فلذلك كان حق الأمة مواساته، والمواساة يظهر أنها فرض كفاية على القادرين عليها فهو غير الذي جاء يريد المعاملة للربح كالمتبايعين والمتصارفين. الفرق الواضح في العرف بين التعامل وبين التداين إلا أن الشرع ميز هاته النواحي بعضها عن بعض بحقائقها الذاتية لا باختلاف أحوال التعاقدين فلذلك لم يسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الربا في السلف ولو كان المستسلف غير محتاج بل كان سعة وإثراء بتحريك المال الذي يتسلفه في وجوه الربح والتجارة ونحو ذلك وسمح لصاحب المال في استثماره بطريقة الشركة والتجارة ودين السلم ولو كان الربح في ذلك أكثر من مقدار الربا تفرقة بين المواهي الشرعية.

(1) رجح محمد ضياء الدين الريس في كتابه - الخراج والنظم المالية (ص 149) : ما ذكره البلاذري وابن قدامة من أن خراج مصر في عهد عمر بلغ ألفي ألف دينار، أي نحو تسعمائة بليون"مليار"درهم مغربي بالسعر الحاضر للذهب.

ويمكن أن يكون مقصد الشريعة من تحريم الربا البعد بالمسلمين عن الكسل في استثمار المال وإلجاءهم إلى التشارك والتعاون في شؤون الدنيا فيكون تحريم الربا ولو كان قليلًا مع تجويز الربح في التجارة والشركات ولو كان كثيرًا تحقيقًا لهذه المقاصد.

وقد قضى المسلمون قرونًا طويلة لم يروا أنفسهم فيها محتاجين إلى التعامل بالربا ولم تكن ثروتهم أيامئذ قاصرة عن ثروة بقية الأمم في العالم أزمان كانت سيادة العالم بيدهم أو أزمان كانوا مستقلين بإدارة شؤونهم، فلما صارت سيادة العالم بيد أمم غير إسلامية وارتبط المسلمون بغيرهم في التجارة والمعاملات وانتظمت سوق الثروة العالمية على قواعد القوانين التي لا تتحاشى المراباة في المعاملات ولا تعرف أساليب مواساة المسلمين دهش المسلمون وهم اليوم يتساءلون، وتحريم الربا في الآية صريح وليس لما حرمه الله مبيح ولا مناص من هذا المضيق إلا أن تجعل الدول الإسلامية قوانين مالية تبنى على أصول الشريعة في المصارف والبيوع وعقود المعاملات المركبة من رؤوس الأموال وعمل العمال وحوالات الديون ومقاصتها وبيعها وهذا يقضي بإعمال أنظار علماء الشريعة والتدارس بينهم في مجمع يحوي طائفة من كل فرقة كما أمر الله تعالى.

ثم قال (نفس المرجع: 6/ 28) في تفسير قوله تعالى في سورة النساء تنديدًا بمخالفة اليهود لما أمروا به: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [الآية 162] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت