ندري من أين تطرق الوهم إلى شيخ الإسلام والمسلمين ولكنه بشر يصيب ويخطئ أجزل الله له الأجر على ما أصاب فيه وهو كثير وعلى ما أخطأ فيه أيضًا وقد اجتهد ولم يأل جهدًا.
(1) عرضنا له في أكثر من موضع في هذا البحث لا سيما في فصل"دحض شبه تعلقوا بها"الآتي.
ثم قال: وأما جمهور العلماء فذهبوا إلى أن الربا منقول في عرف الشرع إلى معنى جديد كما دلت عليه أحاديث كثيرة وإلى هذا نحا عمر بن الخطاب وعائشة وأبو سعيد الخدري وعبادة بن الصامت بل رأى عمر أن لفظ الربا نقل إلى معنى جديد ولم يبين جميع المراد منه فكأنه عنده مما يشبه المجمل فقد حكى عنه ابن رشد في المقدمات أنه كان من آخر ما أنزل الله على رسوله آية الربا، فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفسرها وإنكم لتزعمون أننا نعلم أبواب الربا ولأن أكون أعلمها أحب إلى من أن يكون لي مثل مصر وكورها (1)
قال ابن رشد: ولم يرد عمر بذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفسر آية الربا، وإنما أراد - والله أعلم - أنه لم يعم وجوه الربا بالنص عليها، و قال ابن العربي: بين رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى الربا في ستة وخمسين حديثًا والوجه عندي أنه ليس مراد عمر أن لفظ الربا مجمل؛ لأنه قابله بالبيان وبالتفسير بل أراد أن تحقيق حكمه في صور البيوع الكثيرة خفي لم يعمه النبي صلى الله عليه وسلم بالتنصيص لأن المتقدمين لا يتوخون في عباراتهم ما يساوي المعاني الاصطلاحية فهؤلاء الحنفية سموا المخصصات بيان تغيير وذكر ابن العربي في العواصم أن أهل الحديث يتوسعون في معنى البيان وفي تفسير الفخر عند الشافعي أن قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [الآية 275 من سورة البقرة] ، ومن المجملات التي لا يجوز التمسك بها أي بعموميها: عموم البيع وعموم الربا؛ لأنه إن كان للمراد جنس البيع وجنس الزيادة لزم أي بيع وأي زيادة، وإن كان المراد أي بيع وأي زيادة فما من بيع إلا وفيه زيادة، فأول الآية أباح جميع البيوع وآخرها حرم الجميع فوجب الرجوع إلى بيان الرسول عليه السلام، والذي حمل الجمهور على اعتبار لفظ الربا مستعملًا في معنى جديد أحاديث وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل دلت على تفسير الربا بما هو أعم من ربا الجاهلية المعروف عندهم قبل الإسلام.
ثم قال (نفس المرجع: 4/ 86، 87) :
وحكمة تحريم الربا هي قصد الشريعة حمل الأمة على مواساة غنيها محتاجها احتياجًا عارضًا مؤقتًا بالقرض فهو مرتبة دون الصدقة وهو ضرب من المواساة إلا أن المواساة منها فرض كالزكاة، ومنها