نلقناه عنه آنفًا عن طريق يونس بن عبيد من قوله: (غششتموه وأفسدتموه) ... إلخ. ذلك بأن التزييف القطع أو بالغش يتضمن معنى السرقة، وإن لم تتمثل فيه مواصفاتها وقد يبلغ التعزير القتل وما هو أشد من القتل كما فعل أبو بكر - رضي الله عنه - بمن سيقا إليه متلبسين بجريمة"الشذوذ الجنسي"، فالتعزيز عقوبة يرجع إلى الإمام تقديرها ويعتمد الإمام في تقديرها ليس على طبيعة الجريمة وحلها، ولكن أيضًا على مدى تأثيرها في حياة المجتمع الإسلامي أو في المصالح العامة للمسلمين وأي فساد بشؤون المسلمين وذممهم أشنع من تزييف النقد وتزويره وأبعد أثرًا.
و قال ابن رشد (البيان والتحصيل: 9/ 396، من سماعه محمد بن خالد وسؤاله ابن القاسم) :
سألت محمد بن القاسم عن الوالي يلي بعد وال آخر كان قبله، فيزيد في المكاييل، فقال: فإن كان في ذلك للمسلمين نظر بموافقة حق لا يكره الناس على البيع به، فلا أرى به بأسًا.
قال ابن رشد معقبًا: هذا"بين"- لعل صوابه: يبنى - على ما قاله، أنه إذا كان في ذلك نظر للمسلمين بموافقة حق كان له أن يفعله.
وأما قوله: لا يكره الناس على البيع به، ففيه نظر لأن له أن يحمل الناس على التبايع به إذا رأى ذلك نظرًا للمسلمين، فمعنى قوله: لا يكره الناس على البيع به، أي لا يحجره جملة حتى لا يجوز لأحد بيعًا به.
وقال ابن تيمية (مجموع الفتاوى: 29/ 469، 470) :
ينبغي للسلطان أن يضرب لهم فلوسًا تكون بقيمة العدل في معاملاتهم من غير ظلم لهم، ولا يتجر ذو السلطان في الفلوس أصلًا بأن يشتري نحاسًا، فيضربه فيتجر فيه ولا بأن يحرم عليهم الفلوس التي بأيديهم ويضرب لهم غيرها، بل يضرب ما يضرب بقيمته من غير ربح فيه للمصلحة العامة، ويعطي أجرة الصناع من بيت المال، فإن التجارة فيها باب عظيم من أبواب ظلم الناس وأكل أموالهم بالباطل، فإنه إذا حرم المعاملة بها حتى صارت عرضًا وضرب له فلوسًا أخرى أفسد ما عندهم من الأموال بنقص أسعارها فيظلمهم فيها، وظلمهم فيها بصرفها بأغلى سعرها.
وأيضًا فإذا اختلفت مقادير الفلوس، صارت ذريعة إلى أن الظلمة يأخذون صغارًا فيصرفونها وينقلونها إلى بلد آخر ويخرجون صغارها، فتفسد أموال الناس.
وفي السنن (( عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس ) ) (1) ، فإذا كانت مستوية المقدار بسعر النحاس، ولم يشتر ولي الأمر النحاس والفلوس الكاسدة لضربها فلوسًا، ويتجر بذلك حصل بها المقصود من الثمنية.