وأيضًا فالربا يقضي على المودة بين الناس ويزيل رباط الأخوة الذي هو مكمن قوتهم وسر نهضتهم ومتى ما كثر الربا تضاعفت الأحقاد وساءت العلاقات بين الأفراد فيتسلط المرابون أصحاب الجشع على إخوانهم الفقراء، يمتصون دماءهم ويرهقونهم بالديون المتضاعفة فيوغرون صدورهم ضدهم وحول هذا يقول العلامة ابن القيم: (فأما الجلي فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عنده آلافًا مؤلفة، وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها تكلف بذلها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت فيشتد ضرره وتعظم مصيبته ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده، فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل لأخيه فيأكل مال أخيه بالباطل ويحصل أخوه على غاية الضرر فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا ولعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وآذن من لم يدعه بحرب منه وحرب من رسوله ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره ولهذا كان من أكبر الكبائر) [1] .
يتضح لنا من هذا النص وجاهة التشريع الإسلامي في تحريم الربا وذلك لما يأتي:
1_ أن فيه ظلمًا واضحًا لاسيما في ربا القرض لأن فيه أخذ مال من غير عوض ولا جهد ولا عمل ولا تعرض لربح وخسارة.
2_ أنه يربي الإنسان على الكسل والخمول والابتعاد عن الاشتغال بالمكاسب المباحة النافعة.
3_ أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس والتعاون والتراحم والمواساة والإحسان فيما بينهم وتكدس الأموال بأيدي نفر قليل من المرابين.
4_ الربا يجمع أموال الأمة في يد طبقة معينة تتحكم في رقاب الناس واقتصاد البلاد.
(1) أعلام الموقعين لابن القيم: ج2 ص154.