فمثلًا: جارك الذي يشهد الصلوات الخمس عليك أن تحبه لهذا الأمر، لكن لو كان هذا الجار يسمع ما حرم الله من الأغاني مثلًا، أو يتعاطى الربا فعليك أن تبغضه على قدر معصيته ، وكلما ازداد الرجل طاعة ازددنا له حبًّا ، وكلما زاد معصية ازددنا له بغضًا .
وقد يقول قائل: وكيف يجتمع الحب والبغض في شخص واحد ؟ كيف أحب الشخص من جانب وأبغضه من جانب ؟
أقول: هذا ميسر ، فهذا الأب ربما ضرب ابنه وآلمه تأديبًا وزجرًا ، ومع ذلك يبقى الأصل أن الأب يحب ابنه محبة جبلية . فيجتمع الأمران .
وكذلك المعلم مع تلاميذه أو الرجل مع زوجته إذا زجرها أو هجرها إذا كان الأمر يقتضي ذلك لكن يبقى الأصل في ذلك محبتها والميل إليها . فإذا كان الشخص يجتمع في إيمان مع ارتكاب محرمات أو ترك واجبات - مما لا ينافي الإيمان بالكلية - فإن إيمانه يقتضي حبّه ونصرته ، وعصيانه يقتضي عداوته وبغضه - على حسب عصيانه .
ومما يبيّن هذا الأمر ما جاء في هدى النبي صلى الله عليه وسلم فقد حقق عليه السلام الأمرين ، والدليل ذاك الرجل الذي يشرب الخمر في عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- واسمه عبد الله ، وكان كثيرًا ما يؤتى به فيجلد ، فأتي به في أحد المرات فقال أحد الحاضرين: لعنه الله ما أكثر ما يُؤتى به ، فقال عليه السلام: (( لا تلعنه ، أما علمت أنَّه يحب الله ورسوله ) )أو كما ورد في الحديث - فمقتضى العداوة والبغضاء أن أقام عليه الحد فجلده ، وفي نفس الوقت أيضًا مقتضى الحب والولاء له أن دافع عنه- عليه الصلاة والسلام- فقال: (( لا تلعنه ) )
معاودة الكافرين:
هذه المسألة تغيب في هذا الزمان بسبب جهل الناس وتكالب قوى الكفر على إلغاء الولاء والبراء وإلغاء ما يسمى بالفوارق الدينية .
قال الشيخ حمد بن عتيق (ت 1301هـ ) : ["فأما معاداة الكفار والمشركين فاعلم أنَّ الله أوجب ذلك وأكد إيجابه ، وحرّم موالاتهم وشدد فيه ، حتى أنه ليس في كتاب الله حكم فيه من الأدلة أكثر وأبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده"] .
وقال في موضع آخر:"وهنا نكتة بديعة في قوله: (( إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) ) (الممتحنة: من الآية4) وهي أن الله قدم البراءة من المشركين العابدين غير الله ، على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله ، لأن الأول أهم من الثاني ، فإنه قد يتبرأ من الأوثان ، ولا يتبرأ ممن عبدها ، فلا يكون آتيًا بالواجب عليه ، وأما إذا تبرأ من المشركين ، فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم"14
فإذا علم هذا تبين خطأ وانحراف كثير من الناس عند ما يقولون: نتبرأ من الكفر ونتبرأ من عقيدة التثليث عند النصارى ونتبرأ من الصليب ، لكن عند ما تقول لهم تبرؤوا من النصارى . يقولون: لا نتبرأ منهم ولا نواليهم .
لوازم الحب في الله والبغض في الله .
أشرنا إلى أن الحب في الله والبغض في الله عملان قلبيان لكن لهذا الحب لوازم مثل: النصح للمسلمين ، والإشفاق عليهم ، الدعاء لهم ، والسلام ، وزيارة مريضهم ، وتشييع جنائزهم ، وتفقد أحوالهم .
أما لوازم البغض فمنها: ألا نبتدئهم بالسلام ، والهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، وعدم التشبه بهم ، وعدم مشاركتهم في الأعياد - كما هو مبسوط في موضعه .
المبحث الثالث
أحوال السلف الصالح في تحقيق عقيدة الولاء والبراء
يقول أبو الدرداءِ- رضي الله عنه-: ( ما أنصف إخواننا الأغنياء، يحبوننا في الله ويفارقوننا في الدنيا، إذا لقيته قال: أحبكَ يا أبا الدرداء ، فإذا احتجت إليه في شيءٍ امتنع مني ) 15
ويقول أيوب السيختياني- رحمه الله-:"إنَّه ليبلغني عن الرجل من أهل السنة أنَّه مات، فكأنما فقدتُ بعض أعضائي".
وكان أحمد بن حنبل- رحمه الله- إمام أهل السنة، [ إذا نظر إلى نصراني أغمض عينيه ، فقيل له في ذلك، فقال- رحمه الله-: ( لا أقدرُ أن أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه ) 16 .
فانظر - يا رعاك الله - كيف كان تعظيم الله وتوقيره في قلب الإمام أحمد يجعله لا يطيق النظر إلى من افترى على الله وكذب عليه ، وأي افتراء أعظم من مقالة النصارى أن لله ولد - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - قال عمر بن الخطاب في شان النصارى:"أهينوهم ولا تظلموهم ، فإنهم سبُّوا الله تعالى أعظم المسبة".