فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 1664

الْأَوَّلُ: الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ جَنَاحَانِ بِهِمَا يَطِيرُ الْمُقَرَّبُونَ إلَى كُلِّ مَقَامٍ مَحْمُودٍ , وَمَطِيَّتَانِ بِهِمَا يَقْطَعُ مِنْ طُرُقِ الْآخِرَةِ كُلَّ عَقَبَةٍ كَئُودٍ , كَمَا أَنَّ الْخَوْفَ سَوْطٌ زَاجِرٌ لِعَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ , وَالرَّجَاءَ دَاعٍ إلَى الطَّاعَةِ , وَالرَّجَاءُ مِنْ مَقَامَاتِ السَّالِكِينَ وَإِنَّمَا يُسَمَّى مَقَامًا مَا ثَبَتَ وَدَامَ , وَمَا كَانَ عَارِضًا سَرِيعَ الزَّوَالِ يُسَمَّى حَالًا , وَالْمُنْتَظَرُ إذَا كَانَ مَحْبُوبًا يَحْصُلُ مِنْ انْتِظَارِهِ لَذَّةٌ لِلْقَلْبِ , فَالرَّجَاءُ هُوَ ارْتِيَاحُ الْقَلْبِ لِانْتِظَارِهِ مَا هُوَ مَحْبُوبٌ عِنْدَهُ , فَإِنْ كَانَ الِانْتِظَارُ لِحُصُولِ أَسْبَابِهِ الْكَثِيرَةِ فَرَجَاءٌ صَادِقٌ , وَإِلَّا فَكَاذِبٌ , وَإِلَّا الْغُرُورُ أَحَقُّ بِهِ , وَلَا يُطْلَقُ اسْمُ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ إلَّا فِيمَا يُتَرَدَّدُ فِيهِ , وَالْأَسْبَابُ: الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ , وَالِاحْتِرَازُ عَمَّا يُفْسِدُهَا , وَالتَّوْبَةُ عَمَّا صَدَرَ , وَمَنْ كَرِهَ الْمَعْصِيَةَ وَتَسُوءُهُ وَالْحَسَنَةَ تَسُرُّهُ وَيَذُمُّ بِنَفْسِهِ وَيَشْتَهِي التَّوْبَةَ فَحَقِيقٌ بِرَجَاءِ التَّوْفِيقِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى التَّوْبَةِ بَلْ هُوَ أَصْلُهَا وَطَرَفٌ مِنْهَا , قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيمَنْ تَرَكَ الْأَسْبَابَ: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ * الْآيَةَ , وَقَالَ: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ * الْآيَةَ , وَقَالَ عَنْ الْكَافِرِ: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلَى رَبِّي * الْآيَةَ , فَمَنْ انْهَمَكَ فِي الْمَعَاصِي وَلَا يَعْزِمُ عَلَى التَّوْبَةِ فَرَجَاؤُهُ كَرَجَاءِ مَنْ لَمْ يَزْرَعْ , أَوْ زَرَعَ فِي سَبْخَةٍ أَنْ يَحْصُدَ أَوْ كَرَجَاءِ مَنْ زَرَعَ وَلَمْ يَتَعَهَّدْهُ بِسَقْيٍ وَلَا تَنْقِيَةٍ قَالَ صلى الله عليه وسلم الْأَحْمَقُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ * وَإِنَّمَا الرَّجَاءُ الْحَقِيقُ بَعْدَ تَأَكُّدِ الْأَسْبَابِ , وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ * أَيْ: يَسْتَحِقُّونَ الرَّجَاءَ , فَإِنَّ رَجَاءَ الْعَفْوِ وَالتَّوْبَةِ وَالْقُرْبِ مِنْ الرَّحْمَانِ بِبَذْرِ النَّارِ بِلَا نَدَامَةٍ مِنْ أَعْظَمِ الِاغْتِرَارِ: تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا إنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

قال تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ* (195) سورة آل عمران

قال الإمام القرطبي رحمه الله (1) :

قوله تعالى: { فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ } أي أجابهم . قال الحسن: ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم . وقال جعفر الصَّادق: من حَزَبَه أمرٌ فقال خمسَ مرّات ربنا أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد . قيل: وكيف ذلك؟ قال: إقرءوا إن شئتم { الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَامًا وَقُعُودًا وعلى جُنُوبِهِمْ } إلى قوله: { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } .

الخامسة عشرة: قوله تعالى: { أَنِّي } أي أَنِّي؛ وقرأ عيسى بن عمر «إني» بكسر الهمزة ، أي فقال: إني . وروى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه عن أُم سلمة أنها قالت: يا رسول الله ، ألا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله تعالى: { فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى } الآية . وأخرجه الترمذي . ودخلت «من» للتأكيد؛ لأنّ قبلها حرف نفي . وقال الكوفيون؛ هي للتفسير ولا يجوز حذفها؛ لأنها دخلت لمعنى لا يصلح الكلام إلاَّ به ، وإنما تحذف إذا كانت تأكيدًا للجحد . { بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ } ابتداء وخبر ، أي دِينكم واحد . وقيل: بعضكم من بعض في الثواب والأحكام والنصرة وشِبهِ ذلك . وقال الضحّاك: رجالكم شكل نسائكم في الطاعة ، ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة؛ نظيرها قوله عزّ وجلّ: { والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } [ التوبة: 71 ] . ويُقال: فلان مِنِّي ، أي على مذهبي وخلقي .

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 1210)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت