3 -هل يوجب الإسلام إقامة دولة؟
10 ـ الإسلام نظام ديني ومدني متكامل، ويتلازم وجود المسلمين مع قيام
الدولة، ومن أهم أركان كل دولة كما أشرت سابقًا وجود سلطة عامة سياسية عليا يخضع لهاجميع الأفراد المكونين للجماعة (1) .
لذلك نرى الأكثرية الساحقة من علماء الإسلام (وهم أهل السنة والمرجئة والشيعة والمعتزلة إلا قليلًا منهم، والخوارج ما عدا النجدات) تقرر وجوب إقامة حكومة عليا (أو إمارة أو دولة أو إمامة) . والمراد بالوجوب هنا هو المعروف في علم أصول الفقه المرادف عند جمهور العلماء لمعنى الفرضية، وقد قال العلماء فعلًا: إن الإمامة فرض كفاية (2) .
(1) النظم السياسية للدكتور ثروت بدوي: 33/1.
(2) مغني المحتاج: 129/4، شرح المواقف للجرجاني: 346/8، شرح العقائد النسفية للتفتازاني: ص142 وما بعدها، مقالات ا لإسلاميين واختلاف المصلين للأشعري: 133/2، حجة الله البالغة للدهلوي: 110/2، أصول الدين للبغدادي: ص 271 وما بعدها، ط استانبول، الأحكام السلطانية للماوردي: ص 3، ولأبي يعلى: ص 3، نيل الأوطار: 256/8، مقدمة ابن خلدون: ص 191 وما بعدها، الحسبة لابن تيمية: ص 4-7، السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 161، النظريات السياسية الإسلامية للريس: ص 144،إكليل الكرامة في مقاصد الإمامة لصديق حسن خان: ص 7 وما بعدها.
قال ابن تيمية: يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لاتتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة (1) .
وقال ابن حزم: (اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله ، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي جاء بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم،حاشا النجدات، فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم(2) .إلا أن هؤلاء الموجبين للإمامة فريقان: قال أكثر الأشعرية، والمعتزلة، والعترة؛ إنها تجب شرعًا، لأن الإمام يقوم بأمور شرعية. وقال الشيعة الإمامية: تجب الإمامة عقلًا فقط للحاجة إلى زعيم يمنع التظالم ويفصل بين الناس في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكان الأمر فوضى.
وقال الجاحظ والبلخي والكعبي وأبو الحسن الخياط والحسن البصري: تجب الإمامة عقلًا وشرعًا.
وشذ جماعة (وهم المُحكِّمة الأولى والنجدات من الخوارج، وضرار، وأبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم المعتزلي وهشام الفُوطَي) فقالوا بجواز الإمامة وأنها لا تجب، قال الأصم: لو تكافَّ الناس عن التظالم لاستغنوا عن الإمام.
واستدل كل فريق على رأيه بأدلة مطولة لا مجال هنا لذكرها (3) .
(1) السياسة الشرعية له، المكان السابق.
(2) الفصل في الملل والنحل: 87/4، وانظر المحلى: 438/9، م/1768 ومراتب الإجماع: ص124.
(3) ر: للتفصيل إمامة ـ الإمامة الكبرى. وقد سبق إيراد هذه الأدلة في فصل: نظام الحكم في الإسلام.
الفقه الإسلامي وأدلته - (ج 8 / ص 422)
المبحث الأول ـ أركان الدولة الإسلامية ونشأتها وشخصيتها
المطلب الأول ـ أركان الدولة الإسلامية:
تمهيد:
11 -الدولة في العرف الحديث: مجموع كبير من الناس يقطن بصفة دائمة في إقليم جغرافي معين، ويخضع لسلطة عليا أو تنظيم سياسي معين.
يظهر من هذا التعريف التقليدي للدولة أن عناصرها أو أركانها ثلاثة: هي الشعب أو مجموعة من الأفراد، والإقليم، والسلطة الحاكمة. ويربو عدد الدول الآن على (170) دولة.
وتتصف الدولة بوصفين أو خاصتين: وهما السيادة والشخصية المعنوية أو القانونية، فالسيادة هي المعيار التقليدي للدولة، أي الذي يميزها عن غيرها من الجماعات (1) .
وسأبحث هنا ركنين من أركان دولة الإسلام: وهما الشعب والإقليم (2) وأبحث أيضًا وصف (السيادة) الذي يعتبره بعض فقهاء القانون الدستوري ركنًا من أركان الدولة (3) .
فصارت مواضيع هذا المبحث ثلاثة: الشعب والإقليم والسيادة.
(1) النظم السياسية، ثروت بدوي: ص 28 و 40، حافظ غانم، المرجع السابق: ص 124 و 128، أحكام القانون الدولي في الشريعة: ص 212.
(2) من المعلوم أن الدولة الإسلامية سبقت ـ في مظهرها القانوني ـ نشوء الدول الأوربية من حيث اكتمال عنصر الإقليم وعنصر الشعب وعنصر الولاية الذاتية فيها، انظر ( أحكام القانون الدولي لحامد سلطان، المرجع السابق: ص 231) .
(3) موجز القانون الدستوري، عثمان خليل والطماوي: ص 10-14.
الركن الأول ـ الشعب:
أولًا ـ موقع هذا الركن ماديًا وأساسيته في مفهوم الدولة الإسلامية: