وبين يدينا مئات الأمثلة منها: صراع لوط عليه السلام مع قومه، فلماذا عاداه أهل الفاحشة؟ هل لأنه حمل عليهم؟ أو كرَّ عليهم بليل؟ كل هذا لم يحدث، إنما علة محاربته: {أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} الأعراف. وانظروا إلى هذا الحديث العجيب بين نبي الله شعيب عليه السلام وبين قومه، وتفكروا في عرض شعيب على قومه وماذا قال لهم: قال تعالى على لسان شعيب عليه السلام: {وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين} الأعراف (87) . رجل يقول لقومه: أنتم في حالكم ونحن في حالنا، طائفة آمنوا وطائفة لم يؤمنوا، فيا أيها الكافرون لا تعتدوا علينا ولا نعتدي عليكم حتى يقع أمر قدري لا بأيدينا ولا بأيديكم فيكون هو الفصل بين الطائفتين.
فماذا تتوقع أن يكون الجواب؟ الجواب؛ هو جواب كل طاغوت: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنّك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا} الأعراف (88) ، نعم هذا هو جواب قومه (الطاغوت) وهو جواب لا يمكن أن يتخلى عنه الباطل أبدا. فأي ضلال وأي انحراف لرجل علم طبيعة الباطل ثم هو يطلب الإذن منه أن يعمل في نشر حقه؟.
ومن هنا فقد تبين لنا انحراف وجهل تلك الجماعات التي تخلت عن كثير من الحق في سبيل إرضاء الباطل ليقدم لها إذن العمل والممارسة
ويجب أن يعلم أن النصر له ثمن لا بد من دفعه
قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ* (214) سورة البقرة
هكذا خاطب الله الجماعة المسلمة الأولى , وهكذا وجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها , وإلى سنته - سبحانه - في تربية عباده المختارين , الذين يكل إليهم رايته , وينوط بهم أمانته في الأرض ومنهجه وشريعته . وهو خطاب مطرد لكل من يختار لهذا الدور العظيم . .
وإنها لتجربة عميقة جليلة مرهوبة . .
إن هذا السؤال من الرسول والذين آمنوا معه . من الرسول الموصول بالله , والمؤمنين الذين آمنوا بالله . إن سؤالهم: (متى نصر الله ?) ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة . ولن تكون إلا محنة فوق الوصف , تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب , فتبعث منها ذلك السؤال المكروب: (متى نصر الله ?) . .
وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة . . عندئذ تتم كلمة الله , ويجيء النصر من الله: (ألا إن نصر الله قريب) . .
إنه مدخر لمن يستحقونه . ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية . الذين يثبتون على البأساء والضراء . الذين يصمدون للزلزلة . الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة . الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله , وعندما يشاء الله . وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها , فهم يتطلعون فحسب إلى (نصر الله) , لا إلى أي حل آخر , ولا إلى أي نصر لا يجيء من عند الله . ولا نصر إلا من عند الله .
بهذا يدخل المؤمنون الجنة , مستحقين لها , جديرين بها , بعد الجهاد والامتحان , والصبر والثبات , والتجرد لله وحده , والشعور به وحده , وإغفال كل ما سواه وكل من سواه .
إن الصراع والصبر عليه يهب النفوس قوة , ويرفعها على ذواتها , ويطهرها في بوتقة الألم , فيصفو عنصرها ويضيء , ويهب العقيدة عمقا وقوة وحيوية , فتتلألأ حتى في أعين أعدائها وخصومها . وعندئذ يدخلون في دين الله أفواجا كما وقع , وكما يقع في كل قضية حق , يلقي أصحابها ما يلقون في أول الطريق , حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم وناصرهم أشد المناوئين وأكبر المعاندين . .
على أنه - حتى إذا لم يقع هذا - يقع ما هو أعظم منه في حقيقته . يقع أن ترتفع أرواح أصحاب الدعوة على كل قوى الأرض وشرورها وفتنتها , وأن تنطلق من إسار الحرص على الدعة والراحة , والحرص على الحياة نفسها في النهاية . .
وهذا الانطلاق كسب للبشرية كلها , وكسب للأرواح التي تصل إليه عن طريق الاستعلاء . كسب يرجح جميع الآلام وجميع البأساء والضراء التي يعانيها المؤمنون , والمؤتمنون على راية الله وأمانته ودينه وشريعته .
وهذا الانطلاق هو المؤهل لحياة الجنة في نهاية المطاف . .
وهذا هو الطريق . .
هذا هو الطريق كما يصفه الله للجماعة المسلمة الأولى , وللجماعة المسلمة في كل جيل .
هذا هو الطريق:إيمان وجهاد . .
ومحنة وابتلاء . وصبر وثبات . .
وتوجه إلى الله وحده . ثم يجيء النصر . ثم يجيء النعيم . . (1)
(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 30)
(2) - مقالات بين منهجين - (ج 1 / ص 26)