والثاني ـ أن الأسير المسلم إذا قتله مسلم أو ذمي في دار الحرب، فعليه الدية، لأنه إذا تعذر القصاص لعدم ولاية الإمام المسلم على تلك الدار، فتجب الدية؛ لأن الأسر لا يفقد عصمة المسلم، ولأنه (لا يُطَل دم في الإسلام) أي لا يهدر، فإذا امتنع القصاص، أمكن إيجاب الدية. وأما الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) : فيرون أن الشريعة تطبق على كل جريمة في أي مكان ارتكبت، سواء في حدود البلاد الإسلامية أو خارجها، وسواء أكان الجاني مسلمًا أم ذميًا أم مستأمنًا؛ لأن المسلم ملزم بأحكام الشريعة في أي مكان، والذمي والمستأمن ملزمان بتلك الأحكام الشرعية بمقتضى العهد والأمان. وقد أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعقوبة سكران يوم حنين في بلاد المشركين، وروى أبو داود في المراسيل عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «وأقيموا الحدود في الحضر والسفر على القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم» .
وهذا الحكم شامل في رأي الجمهور كل حرام كالتعامل بالربا وغيره من المحرمات كالقمار والرشوة، وما أروع كلمة الإمام الشافعي في ذلك، حيث قال في كتابه الأم (165/4) : «ومما يوافق التنزيل والسنة، ويعقله المسلمون، ويجتمعون عليه: أن الحلال في دار الإسلام حلال في بلاد الكفر، والحرام في دار الإسلام حرام في بلاد الكفر، فمن أصاب حرامًا، فقد حده الله على ما شاء منه، ولا تضع عنه بلاد الكفر شيئًا» . وهذا واضح في أن الدار أو المكان لا تغير صفة التحريم للأفعال، فلا تمنع العقوبة المقررة جزاء على ارتكاب الفعل الحرام.
وهذه النظرية ـ نظرية الجمهور - هي السائدة اليوم في القوانين الوضعية، إلا أن الفرق بينهما أن القانونيين يجيزون للدولة تطبيق العقاب على ما ترى فيه مصلحة بسبب ارتكاب الجرائم التي تقع في خارج أراضيها، وتطبق العقوبة الصارمة على الجرائم التي تمس مصلحة أساسية لها، وهي ما سبق بيانه من جرائم أمن الدولة، وتزييف العملة، وتزوير أختام الدولة الرسمية.
أما الشرعيون فيوجبون تطبيق عقوبات الحدود دون إعفاء، ويجيزون لولي الأمر في التعزيرات إعفاء ما ترى فيه مصلحة في ذلك. والخلاصة: إن المبدأ الأساسي في الحكم الإسلامي في ديار الإسلام على المسلمين والذميين والمستأمنين هو مبدأ إقليمية القوانين، مع بعض استثناءات كحرية ممارسة الشعائر الدينية وحرية العقيدة، وكذلك اختصاص القضاء اختصاص إقليمي، ومبدأ الإقليمية التشريعي والقضائي هو الذي تسير عليه القوانين الوضعية في العصر الحديث.
الفقه الإسلامي وأدلته - (ج 8 / ص 407)
المبحث التمهيدي: مقدمات
وفيه مطلبان:
المطلب الأول:
أولًا ـ المنشأ التاريخي لمفهوم دار الإسلام ولمفهوم الدولة الحديث:
فقرة 1 ـ كانت الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة (يثرب) وما سبقها من بيعتي العقبة أساسًا في نشأة أو تكوين الدولة الإسلامية، أو دار الإسلام في اصطلاح فقهائنا؛ إذ بذلك تميزت شخصية المسلمين عن المشركين، وتوطدت لهم في المدينة الدعائم الأولى للأمن والاستقرار، وبرزت السلطة السياسية للنبي، وهذه السلطة تعتبر الآن هي العنصر الجوهري في تكوين الدولة (1) .
وكان من مظاهر ممارسة النبي عليه السلام لتلك السلطة أنه قام بموادعة اليهود في المدينة حينما كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود، وعاهدهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم (2) .
وبدأ التشريع القرآني ينظم أوضاع الجماعة الإسلامية لتدبير شؤونها وسياسة ملكها، وكان النبي صلّى الله عليه وسلم يمارس سلطانه السياسي في تنفيذ القوانين والأنظمة المشرعة، وتأديب العصاة، ومعاقبة الجناة، وعقد الاتفاقات أو المعاهدات ومحاربة الأعداء؛ إذ أنه بعد اثني عشر شهرًا من مقدمه عليه السلام إلى المدينة
(1) النظم السياسية للدكتو ثروت بدوي: 37/1.
(2) سيرة ابن هشام: المجلد الأول/501، ط الحلبي. ولقد كان هذا الاتفاق على إنشاء (أمة) واحدة من أعجب الاتفاقات التي عرفها التاريخ من هذا النوع.
وقعت أول غزوة في الإسلام: وهي غزوة الأبواء التي خرج فيها الرسول صلّى الله عليه وسلم يريد قريشًا، فوادعته بنو ضمرة بودَّان (1) .
الهجرة إذن كانت نقطة تحول في تاريخ الإسلام تمخص عنها ميلاد دولة جديدة لم يعرف لهامثال سابق بين العرب أطلق عليها الفقهاء اصطلاح (دار الإسلام) ، لأن اصطلاح (الدولة) لم يكن معروفًا وقتذاك، ولأنه كان هناك تلازم بين مفهومي الدولة ودار الإسلام.
ويلاحظ أنه تميزت دولة دار الإسلام في بدء تكوينها بأنها دولة متحدة تجمع كل من استجاب لدعوة الإسلام، وآمن برسالة محمد صلّى الله عليه وسلم على أساس أن حكم الإسلام أو شرعه يسودها، وإن ولايته الشخصية تمتد إلى مختلف الأقاليم الإسلامية (2) .