الفخر الرازي: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة....) اعلم أنه تعالى لما أوجب على رسوله أن يشرد من صدر منه نقض العهد، وأن ينبذ العهد إلى من خاف منه النقض، أمره في هذه الآية بالإعداد لهؤلاء الكفار.... قال أصحاب المعاني: الأولى أن يقال: هذا عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو... ثم إنه تعالى ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء، فقال:) ترهبون به عدو الله وعدوكم(وذلك أن الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد ومستعدين له مستكملين لجميع الأسلحة والآلات، خافوهم، وذلك الخوف يفيد أمورا:
أولها: أنهم لا يقصدون دخول دار الإسلام.
وثانيها: أنه إذا اشتد خوفهم فربما التزموا من عند أنفسهم جزية.
وثالثها: أنه ربما صار ذلك داعيا لهم إلى الإيمان.
ورابعها: أنهم لايعينون سائر الكفار .
وخامسها: أن يصير ذلك سببا لمزيد الزينة في دار الإسلام.) [التفسير الكبير (15/ 185-195] ُ
ابن كثير: ( وأعدوا لهم ما استطعتم ) أي مهما أمكنكم..
ترهبون (تخوفون) به عدو الله وعدوكم (أي من الكفار) . [تفسير القرآن العظيم (2/ 355-356] .
الجصاص: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل (أمر الله المؤمنين في هذه الآية بإعداد السلاح والكراع قبل وقت القتال، إرهابا للعدو) [أحكام القرآن (3/ 68) .]
أبو بكر ابن العربي: ترهبون به عدو الله وعدوكم (يعني تخيفون بذلك أعداء الله وأعداءكم من اليهود وقريش وكفار العرب..) [أحكام القرآن (2/ 875 ]
ابن عاشور: (والإعداد التهيئة ولإحضار، ودخل في) ما استطعتم من (كل ما يدخل تحت قدرة الناس اتخاذه من العدة.. والإرهاب جعل الغير راهبا خائفا، فإن العدو إذا علم إذا علم استعداد عدوه لقتاله خافه ولم يجرأ عليه، فكان ذلك هناء للمسلمين وأمنا من أن يغزوهم أعداؤهم، فيكون الغزو بأيديهم، يغزون الأعداء متى أرادوا، وكان الحال أوفق لهم، وأيضا إذا رَهِبوهم تجنبوا إعانة الأعداء عليهم.) تفسير التحرير والتنوير [6/55-57 ]
سيد قطب: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) إنه لابد للإسلام من قوة ينطلق بها في الأرض لتحرير الإنسان.. وأول ما تصنعه هذه القوة في حقل الدعوة أن تؤمن الذين يختارون هذه العقيدة على حريتهم في اختيارها، فلا يُصَدوا عنها بعد اعتناقها.. والأمر الثاني: أن ترهب أعداء هذا الدين فلا يفكروا في الاعتداء على دار الإسلام التي تحميها تلك القوة. والمر الثالث: أن يبلغ الرعب بهؤلاء الأعداء أن لا يفكروا في الوقوف في وجه المد الإسلامي وهو ينطلق لتحرير الإنسان كله في الأرض كلها. والأمر الرابع: أن تحطم هذه القوة كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية فتحكم الناس بشرائعها، ولا تعترف بأن الألوهية لله وحده...) [في ظلال القرآن (10/1543]
وقد اكتفيت ببعض أقوال علماء التفسير في الآية، مع مراعاة أخذ ما يتعلق بالموضوع فقط، خشية التطويل.
ذو القعدة، 1416-25 March, 1996
نشر في مجلة المجتمع الكويتية، عدد: (1196)
28-من ذي القعدة 4 من ذي الحجة 1416هـ
-16-إبريل 1996م 22
كتبه
د . عبد الله قادري الأهدل
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مصل له، ومن يضلله فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) [آل عمران 107]
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) [النساء 1]
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أموالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) [الأحزاب 70، 71]
أما بعد:
فإن الله سبحانه وتعالى خلق الحياة الدنيا لعمارة الأرض، وفقا لشريعته واهتداء بنورها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وخلق هذا الإنسان فيها ليقوم بعمارتها ويستغل ما منحه الله من خيراتها، وما أودع الله فيها من كنوز، وما أكرمه به من بركات السماء، فكانت عمارتها تقتضي وجود هذا الإنسان إلى أن تقوم الساعة.
ولما كانت مشيئة الله تعالى قد اقتضت أن تكون الأعمار محدودة - بحيث لا يمر في الغالب مائة عام قبل انقضاء الجيل الذي يعيش فيها - فقد كان حفظ النسل واستمراره ضرورة من ضرورات الحياة.
وقد أودع الله في الحيوانات كلها دوافع التناسل، باجتماع ذكورها وإناثها، اجتماعا يثمر التوالد، ولولا ذلك لانقطع النسل الحيواني في فترة قصيرة جدا من عمر الحياة الدنيا، وإن كان الله قادرا على إيجاد ما شاء من المخلوقات الحيوانية، ليخلف كلُّ نوع مثيلَه بلا سبب، ولكنه جلت قدرته ربط الأسباب بالمسببات، وجعل المسبب مترتبا على سببه، والنتائج مترتبة على مقدماتها، وإن كانت كلها بمشيئته وإرادته.
الفرق بين تناسل الإنسان وسائر الحيوان