فننصحك بالصبر على ما أنت فيه، واعلم أنك مأجور فما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم حتى الشوكه يشاكها يكفر الله بها من سيئاته، كما في الحديث عند مسلم وغيره، واعلم أن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا، فتمسك بإيمانك واثبت عليه ثبوت الجبال الراسيات، وإن أمكنك الهجرة عن القرية التي أنت فيها إلى غيرها فهو أولى لك، ولن يضيعك الله، فقد قال: وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا {النساء:100} ، وإن كنت لا تستطيع إقامة شعائر دينك في ذلك المكان فيجب عليك مغادرته والهجرة عنه إلى حيث تستطيع إقامة شعائر دينك بحرية تامة، وذلك لقول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا {النساء:97} .
وأما والداك إن جاهداك على أن تكفر بالله وتشرك به ما ليس لك به علم فلا تطعهما، كما قال الله تعالى: وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ {لقمان:15} ، وقد رخص الله سبحانه وتعالى لمن أكره أن يقول كلمة الكفر إذا لم يعتقد ذلك وكان قلبه مطمئنا بالإيمان؛ كما في قوله تعالى: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ {النحل:106} ، ولكن حيث أمكنه ترك الكفار والهجرة عنهم فلا عذر له، قال البغوي: والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل وسلامة النية وعدم إمكان الفرار وهي رخصة، فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم.
ولا ينبغي للمسلم أن يجعل فتنة الناس كعذاب الله، فيستسلم لذلك ويترك إيمانه لكره الناس أو إذايتهم له، قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ {العنكبوت:10} ، فعليك بالصبر والدعاء وراجع الفتوى رقم: 32179.
وأما العمل فنسأل الله تعالى أن ييسره لك ، ونعتذر إليك لأن ذلك ليس من اختصاصنا فجهد الشبكة ينصب على تبصير الناس بأمور دينهم وإجابة الأسئلة ذات الفتاوى الشرعية والاستشارات الطبية والنفسية ونحو ذلك من الأمور الدعوية والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
والله أعلم.
رقم الفتوى:64166تاريخ الفتوى:25 جمادي الأولى 1426السؤال:
جزاكم الله خيرًا، نحن جماعة نقول إن الإنسان إذا تعرضت أمواله وعرضه للهلاك أنه يجوز له أن ينطق بكلمة الكفر هل هذا كفر أم لا، هل هذا من الإكراه المعتبر شرعا، لأن هناك أقوالا للعلماء كابن حزم في المحلى، والمغني كتاب الطلاق والشاطبي في الموافقات.. ألخ، جزاكم الله خيرًا نريد أن نقنع الفريق الآخر؟
الفتوى:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن مذهب الجمهور عدم اعتبار حفظ المال إكراهًا مبررا للوقوع في الكفر، قال الجصاص عند تفسير الآية الأولى من سورة الممتحنة: وفي هذه الآية دلالة على أن الخوف على المال والولد لا يبيح التقية في إظهار الكفر، وأنه لا يكون بمنزلة الخوف على نفسه لأن الله نهى المؤمنين عن مثل ما فعل حاطب مع خوفه على أهله وماله.. إلى أن قال: ويدل على أن الخوف على المال لا يبيح التقية أن الله فرض الهجرة على المؤمنين ولم يعذرهم في التخلف لأجل أموالهم وأهلهم فقال: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ. وقال: قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا. انتهى.
وقال خليل بن إسحاق في مختصره في الفقه المالكي: وأما الكفر وسبه عليه السلام وقذف المسلم فإنما يجوز للقتل.
وقال المواق في شرحه ناقلا عن سحنون وغيره: إن أكره على كفر أو شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو قذف مسلم بقطع عضو أو ضرب يخاف منه تلف بعض أعضائه لا تلف نفسه لم يجز له ذلك؛ إنما يسعه ذلك لخوف القتل لا لغيره، وله أن يصبر حتى يقتل وهو أفضل.