فهرس الكتاب

الصفحة 883 من 1664

2/35 - وأما بالنسبة لالتزامات الدولة، فقال عنها فقهاؤنا: تظل قائمة، ففي بحثهم المعاهدات مثلًا قالوا: تبقى المعاهدة نافذة يلزمنا الوفاء بها حتى تنقضي مدتها، أو ينقضها العدو، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} (3) [ المائدة 1/5] ، وقوله صلّى الله عليه وسلم: «المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق من ذلك» (4) ، فلو مات الإمام الذي عقد الهدنة أو عزل لم ينتقض العهد، وعلى من بعده الوفاء به، لأن العقد السابق كان باجتهاد، فلم يجز نقضه باجتهاد آخر، كما لم يجز للحاكم نقض أحكام من قبله باجتهاد جديد، بدليل إتمام علي كرم الله وجهه ما عقده لأهل نجران (5) . وهذا يدل على أن الدولة شخص اعتباري يمثله الإمام ويتعاقد باسمه.

ويشير إلى ذلك أيضًا أن أمان الواحد من المسلمين رجلًا أو امرأة يسري على المسلمين جميعًا، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم،

(1) يترك مال من لا وارث له في بيت المال باتفاق المذاهب الأربعة، غير أن الحنفية والحنابلة يقولون: إن هذا ليس بطريق الإرث، وإنما هو من باب رعاية المصلحة على أنه مال ضائع فيصرف في سبيل المصالح العامة. وقال متأخرو المالكية، والراجح عند الشافعية: يكون بيت المال وارثًا بشرط كونه منتظمًا (شرح السراجية: ص 11، نظام المواريث للشيخ عبد العظيم فياض: ص 20، ط الثانية) .

(2) أسنى المطالب: 265/2، منْح الجليل للشيخ عليش: 584/3.

(3) المائدة: 1.

(4) رواه الحاكم عن أنس وعائشة (الفتح الكبير) ورواه الترمذي عن عمرو بن عوف « المسلمون على شروطهم..» (نيل الأوطار: 254/5) .

(5) الدر المختار: 25/3، البدائع: 16/7، القوانين الفقهية: ص 155، مغني المحتاج: 261/4، المغني: 462/8، البحر الزخار: 450/5 و 455.

وهم يد على من سواهم» (1) ، هذا الحديث يدل على وجود شخصية اعتبارية لجماعة المسلمين يمثلها أحدهم ويعتبر الأمان الصادر منه ملزمًا لهم.

ومن الأحكام الفقهية في هذا الشأن ما قاله فقهاؤنا: (إن على بيت المال نفقة من لا عائل له من الفقراء) (2) .

وقالوا في نطاق المسؤولية المدنية والجنائية: إذا أتلف الحاكم شيئًا في غير حالة تطبيق العقوبات الشرعية أثناء قيامه بمصلحة من المصالح العامة، فضمان المتلفات على الدولة باعتبارها شخصية معنوية يمثلها الحاكم نياية عن جماعة المسلمين، قال عز الدين بن عبد السلام: «إن الإمام أو الحاكم إذا أتلف شيئًا من النفوس أوالأموال في تصرفهما للمصالح، فإنه يجب على بيت المال دون الحاكم والإمام، ودون عواقلها على قول الشافعي، لأنهما لما تصرفا للمسلمين، صار كأن المسلمين هم المتلفون، ولأن ذلك يكثر في حقهما، فيتضرران به، ويتضرر عواقلهما) (3) .

وذكر فقهاء الحنفية: إذا أخطأ القاضي في حق من حقوق الله تعالى الخالصة له (أي من حقوق المجتمع) كأن قضى بحد زنا أو سرقة أو شرب خمر، واستوفى الحد، ثم ظهر أن الشهود ساقطو العدالة، كأن كانوا محدودين في قذف، فالضمان في بيت المال، لأن القاضي عمل في ذلك لعامة المسلمين لعود منفعتها إليهم: وهو الزجر، فكان خطؤه عليهم، فيؤدى (أي تدفع الدية) من بيت مالهم، ولا يضمن القاضي في ماله الخاص (4) .

يظهر من كل ذلك أن الدولة لها أهلية وجوب كاملة وذمة مستقلة عن أفرادها المكونين لها (5) وهذا هو المراد بالشخصية الاعتبارية للدولة.

(1) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا. وفي الصحيحين ومسند أحمد عن علي: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم) .. (نيل الأوطار: 27/7 وما بعدها) .

(2) السياسة الشرعية لابن تيمية: ص 51، الأحكام السلطانية للماوردي: ص 122، المهذب: 167/2.

(3) قواعد الأحكام في مصالح الأنام: 165/2، ط الاستقامة. وانظر للتفصيل: نظرية الضمان للدكتور وهبة الزحيلي: ص 337.

(4) البدائع: 16/7، رد المحتار: 355/4، ط الحلبي.

(5) المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه للأستاذ الزرقاء: ص 263، المرجع السابق.

الفقه الإسلامي وأدلته - (ج 8 / ص 457)

المطلب الأول- خصائص الدولة الإسلامية:

وفيه فرعان:

أولًا ـ كونها دولة فكرة ومبادئ لإصلاح الحياة البشرية:

36 -إن نظرية الدولة في الإسلام تقوم أساسًا على أنها دولة فكرية (أي ذات منهج إلهي) مؤسسة على مبادئ وغايات محددة واضحة (1) تنشد إصلاح الحياة البشرية قاطبة على وفق منهج العقيدة الإسلامية ومستلزماتها ونظمها التشريعية التي لاتتأثر بأهواء الواضعين، ولا بحدود إقليمية ضمن نطاق أرضي معين.

وإنما دستور الإسلام شامل لكل من آمن به من بني الإنسان دون اعتبار لميزات الجنس والعنصر والقوم والوطن بالمعنى الضيق، كما أن الدعوة إلى إقامة دولة في ظل الإسلام لا تعتمد على الروابط العنصرية والأواصر التاريخية التي تعتمد عليها الدول والقوميات في بنائها الحاضر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت