وهذا الوضع يشبه في الفقه الإسلامي حالة البغاة أو دار البغي، فإذا تعذر على الحاكم الأصلي إخضاع البغاة، وظلوا مسيطرين على الأماكن التي أعلنوا فيها سلطانهم كان معنى ذلك إمكان صدور اعتراف بهم من الآخرين على أساس الأمر الواقع، مع تقدير أن الاعتراف يسيء إلى الدولة الأصل.
الفرع الثالث ـ شخصية الدولة الإسلامية:
35 -تتمتع الدولة الإسلامية بشخصية مستقلة تعرف حديثًا بالشخصية المعنوية أو الاعتبارية (2) وقد أقر فقهاء الإسلام مدلول هذا الاصطلاح بدليل ما قرروه من نتائج أو خصائص بالنسبة للدولة ونحوها وهي:
(1) حافظ غانم، وعلي منصور، المرجعان السابقان.
(2) عرف الفقه الدولي الغربي في منتصف القرن العشرين هذا الاصطلاح الذي فرضه لبعض الجهات أو المؤسسات العامة، واعتبر أن الدولة تتمتع بالشخصية المعنوية، ورتب عليها النتائج الآتية:
أ ـ تعد الدولة وحدة قانونية مستقلة عن أشخاص الحكام.
ب ـ حقوق الدولة تظل قائمة مدة بقائها وإن تبدل ممثلوها، والتزاماتها التي تتعهد بها ومعاهداتها واتفاقاتها التي تبرمها تبقى نافذة فيها، وملتزمة بها بالرغم من تغير ممثليها، أو انقراض الأشخاص الذين تعاقدوا باسمها.
جـ ـ تظل القوانين التي تصدرها الدولة قائمة ما دامت لم تلغ أو تعدل صراحة أو ضمنًا (حافظ غانم: ص 140 وما بعدها، ثروت بدوي: ص 52 وما بعدها، موجز القانون الدستوري للدكتور عثمان خليل والدكتور سليمان الطحاوي: ص12 ومابعدها، حامد سلطان، المرجع السابق: ص 185، محاضرات في النظرية العامة للحق للدكتور شمس الدين وكيل: ص113) .
أ ـ إنهم عرفوا فكرة الدولة مستلقة عن أشخاص الحكام، فكان الحاكم أو الخليفة يعد بمثابة أمين على السلطة يمارسها بصورة مؤقتة، ونيابة عن الأمة، كما يتضح من الخطب السياسية التي كان يلقيها الخلفاء الراشدون بمجرد انعقاد البيعة لهم (1) ، والتي يبدو منها أنهم كانوا يمارسون السلطة من أجل مصلحة الجماعة الإسلامية لا من أجل مصالحهم الشخصية، فالخليفة يعتبر نفسه وكيلًا عن الأمة في أمور الدين وفي إدارة شؤون الدولة بحسب شريعة الله ورسوله (2) ، وهو لهذا يستمد سلطانه من الأمة، ولها حق نصحه وعزله من منصبه إن وجد ما يوجب العزل (3) .
وكان العمال أو الموظفون لا ينعزلون بموت السلطان الذي عينهم، وكذا نائب القاضي لا ينعزل بعزل القاضي ولا بموته؛ لأن القاضي الذي استناب غيره في
(1) الإمامة والسياسة لابن قتيبة: ص 16و 50.
(2) تاريخ الإسلام السياسي لحسن إبراهيم: 203/1 وما بعدها، وقال صلّى الله عليه وسلم واصفًا الإمارة: «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها» رواه مسلم عن أبي ذر (شرح مسلم للنووي: 209/12) .
(3) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 15 وما بعدها، حجة ال البالغة: 112/2، نظام الحكم في الإسلام، يوسف موسى: ص 124.
القضاء إنما يعمل بولاية الأمة وفي حقوقها، لا بولاية شخصية من السلطان ولا في حقه الخاص؛ لأن الخليفة أو السلطان بمنزلة رسول معبر عن الأمة (1) .
1/35 ـ ب ـ وتظل حقوق الدولة الإسلامية ثابتة لها، وإن تغير حكامها بدليل أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبقى الأراضي المفتوحة على ملكية أهلها، على أن يدفعوا خراجًا دائمًا (2) . وأكد معظم الفقهاء هذا المعنى، فقرروا أنها وقف لجماعة المسلمين.
فقال مالك: تصير الأراضي التي استولى عليها المسلمون عنوة وقفًا على المسلمين حيث غنت.
وقال أبو حنيفة: الإمام فيها بالخيار بين قسمتها بين الغانمين، فتكون أرضًا عشرية، أو يعيدها إلى أيدي المشتركين بخراج يضربه عليها، فتكون أرض خراج ويكون المشركون فيها أهل ذمة، أو يقفها على جميع المسلمين.
وقال الحنابلة في الأرجح عندهم: إن الإمام يفعل ما يراه الأصلح من قسمة هذه الأراضي، ووقفها مقابل خراج دائم يقرر عليها كالأجرة.
وكذلك الأراضي المملوكة عفوًا لانجلاء أهلها عنها خوفًا: تصير بالاستيلاء عليها وقفًا. وأيضًا الأراضي المستولى عليها صلحًا على أن ملك الأرض لنا، تصير بهذا الصلح وقفًا من دار الإسلام، ولايجوز بيعها ولا رهنها (3) .
(1) البدائع: 16/7، و 37/6 وما بعدها، المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي للأستاذ الزرقاء: ص 262، ف186/.
(2) شرح السير الكبير: 254/3، الخراج لأبي يوسف: ص 24 و 27 و 35، القسطلاني شرح البخاري: 200/5، الأموال: ص 58، فتوح البلدان للبلاذري: ص 275.
(3) الأحكام السلطانية للماوردي: ص 132 وما بعدها، ولأبي يعلى: ص 130 وما بعدها، وانظر للتفصيل بحث: أموال الحربيين للمؤلف: ف/84-88.
وقال الفقهاء أيضًا: (بيت المال وارث من لا وارث له) (1) أي أن هذا حق ثبت له، وبديهي أن بيت المال من أخص حقوق الدولة، بل ومن أهم مقومات وجودها. ومن الأحكام الفقهية: لبيت المال حق الأخذ بالشفعة بسبب الشركة في ملكية العقار المبيع إن وجد في ذلك المصلحة له (2) .