فهرس الكتاب

الصفحة 704 من 1664

كذلك الفرد إذا استعصى علاجه ولم تؤثر فيه تربية ولم تنفعه موعظة ولم يقبل نصيحة وتأصلت روح الجريمة في نفسه وقام منتهكًا للأعراض مضيعًا للحرمات.

أيكون الأخذ على يديه لكف شره عن الجماعة كلها قسوةً وعنفًا؟ !! لا والله بل إنها الرحمة والحكمة بعينها مصداقًا لقول ربنا عز وجل: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179] .

ومن هنا جاء منهج الله بهذه الأحكام ليحفظ على الإنسانية عرضها وشرفها ونسلها.

فقال الله سبحانه: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3،2] .

أما إذا كان الزاني محصنًا فإنه يرجم كما دلت على ذلك السنة الصحيحة.

وقد عاقب الله قوم لوط أشد العقاب لاتنكاس فطرتهم وخروجهم عن منهج الله الذي أمرهم به نبي الله لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام:

قال الله تعالى: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ [النمل:54-75] .

وقال تعالى في حقهم: فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ [الحجر:74] .

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله: { من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوه الفاعل والمفعول به } .

وبعد.. فلقد آن الأوان بعد ما رأينا هذه المآسي أن نفيء جميعًا إلى منهج الله. إذ لا سعادة في الدنيا والآخرة إلا بالعودة إلى منهج الله بعد أن أحرقنا لفح الهاجرة القاتل، وأرهقنا طول المشي في التيه والظلام.

وها هو الإسلام لازال يعرض نفسه كمخلص للبشرية كلها من كل أمراض وعللها لأن هذه الحيلة البشرية من خلق الله ولن تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله.

وأخيرًا أردد مع مؤمن آل فرعون: فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر:44] .

وصلى الله على نبينا محمدًا وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد:

فإن قلوب العباد أوعية لما أُودِع فيها من العلوم، وظروف لما جُعل فيها من المعارف بالأمور، وهي مع ذلك تصدأ إذا أُهملت كما يصدأ الحديد، وتضطرب وتفور كما يفور المرجل؛ إذا فتحت أبوابها للوساوس والشكوك والشهوات والشبهات، ويعلوها الران إذا تُرِكت نهبًا لإبليس وجنوده، حتى إنها لتصير من أثر ذلك معتمة لا تتمكن من الإبصار ومعرفة الحقائق حتى لو كانت في غاية الوضوح، ويزداد الإعتام كلما بَعُدَ الناس عن ربهم حتى تصل إلى درجة الإغلاق التام. قال الله ـ تعالى ـ: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] فعن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء؛ فإذا هو نزع واستغفر وتاب سُقِل قلبه، وإن عاد ِزيدَ فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] » (1) قال الطبري: «فأخبر -صلى الله عليه وسلم- أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختمُ من قِبَل الله ـ عز وجل ـ والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك ولا للكفر منها مخلص» (2) . وعن حذيفة ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «تُعرَض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا؛ فأي قلب أُشْرِبَها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًّا كالكوز مجخيًّا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشْرِبَ من هواه» (1) .

(1) - مجلة البيان - (ج 223 / ص 34)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت