النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّتِهِ وَحَتَّى يُخَالِفَ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الطَّيِّبُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَمِنْ أَهْلِ الْمُوَالَاةِ لَهُ وَالْمُتَابَعَةِ وَهَذَا كَثِيرٌ فِي أَهْلِ الضَّلَالِ .
قال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ* (100) سورة التوبة
قال الإمام القرطبي رحمه الله (1) :
فيه سبع مسائل:
الأُولى لما ذكر جل وعز أصناف الأعراب ذكر المهاجرين والأنصار ، وبين أن منهم السابقين إلى الهجرة وأن منهم التابعين ، وأثنى عليهم . وقد اختلف في عدد طبقاتهم وأصنافهم . ونحن نذكر من ذلك طرفًا نبيّن الغرض فيه إن شاء الله تعالى . وروى عمر بن الخطاب أنه قرأ «والأنصارُ» رفعا عطفًا على السابقين . قال الأخفش: الخفض في الأنصار الوجه؛ لأن السابقين منهما . والأنصار اسم إسلامي . قيل لأنس بن مالك: أرأيت قول الناس لكم: الأنصار ، اسم سماكم الله به أم كنتم تُدْعَوْنَ به في الجاهلية؟ قال: بل اسم سمانا الله به في القرآن؛ ذكره أبو عمر في الإستذكار .
الثانية نص القرآن على تفضيل السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار وهم الذين صلوا إلى القبلتين؛ في قول سعيد بن المسيّب وطائفة . وفي قول أصحاب الشافعيّ هم الذين شهدوا بيعة الرضوان ، وهي بيعة الحُدَيْبِيَة؛ وقاله الشعبيّ . وعن محمد بن كعب وعطاء بن يسار: هم أهل بدر . واتفقوا على أن من هاجر قبل تحويل القبلة فهو من المهاجرين الأوّلين من غير خلاف بينهم . وأما أفضلهم وهي:
الثالثة فقال أبو منصور البغداديّ التميمي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة ، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة ، ثم البدريون ثم أصحاب أُحُد ثم أهل بيعة الرضوان بالحُدَيْبِيَة .
الرابعة وأما أوّلهم إسلامًا فروى مجالد عن الشعبي قال: سألت ابن عباس مَن أوّل الناس إسلامًا؟ قال أبو بكر ، أو ما سمعت قول حسان:
إذا تذكّرتَ شَجْوًا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلاَ
خيرَ البرية أتقاها وأعدلها ... بعد النبيّ وأوفاها بما حَملاَ
الثانِيَ التالِيَ المحمودَ مشهدُه ... وأوّلَ الناس منهم صدّق الرسلاَ
وذكر أبو الفرج الجَوْزِي عن يوسف بن يعقوب بن الماجشون أنه قال: أدركت أبي وشَيخنا محمد بن المنكدر وربيعةَ بن أبي عبد الرحمن وصالح بن كَيْسان وسعد بن إبراهيم وعثمان بن محمد الأخْنَسِيّ وهم لا يشكّون أن أوّل القوم إسلامًا أبو بكر؛ وهو قول ابن عباس وحسّان وأسماء بنت أبي بكر ، وبه قال إبراهيم النَّخَعِيّ . وقيل: أوّل من أسلم عليّ؛ رُوي ذلك عن زيد بن أرْقم وأبي ذرّ والمِقْداد وغيرهم . قال الحاكم أبو عبد الله: لا أعلم خلافًا بين أصحاب التواريخ أن عليًّا أوّلهم إسلامًا . وقيل: أوّل من أسلم زيد بن حارثة . وذكر مَعْمَر نحو ذلك عن الزُّهْرِيّ . وهو قول سليمان بن يَسار وعروة بن الزبير وعمران بن أبي أنس . وقيل: أول من أسلم خديجة أُم المؤمنين؛ روي ذلك من وجوه عن الزهري ، وهو قول قتادة ومحمد بن إسحاق بن يَسار وجماعة ، وروي أيضًا عن ابن عباس .
وادعى الثَّعلبيّ المفسّر اتفاق العلماء على أن أول من أسلم خديجة ، وأن اختلافهم إنما هو فيمن أسلم بعدها . وكان إسحاق بن إبراهيم بن رَاهْوَيْه الحنظَلِيّ يجمع بين هذه الأخبار ، فكان يقول: أوّل من أسلم من الرجال أبو بكر ، ومن النساء خديجة ، ومن الصبيان عليّ ، ومن الموالي زيد بن حارثة ، ومن العبيد بلال . والله أعلم . وذكر محمد بن سعد قال: أخبرني مصعب بن ثابت قال حدثني أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن ابن نوفل قال: كان إسلام الزبير بعد أبي بكر وكان رابعًا أو خامسًا . قال الليث بن سعد وحدّثني أبو الأسود قال: أسلم الزبير وهو ابن ثمان سنين . وروي أن عليًّا أسلم ابن سبع سنين . وقيل: ابن عشر .
الخامسة والمعروف عن طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من أصحابه . قال البخاري في صحيحه: من صحب النبيّ صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه . وروي عن سعيد بن المسيّب أنه كان لا يعد الصحابيّ إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين ، وغزا معه غزوة أو غزوتين . وهذا القول إن صح عن سعيد بن المسيّب يوجب ألا يعد من الصحابة جَرِير بن عبد الله البَجَلِيّ أو من شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا نعرف خلافًا في عدّه من الصحابة .
(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 2520)