لكن نصوص وقواعد الشريعة وأصولها دلت على أنه يجوز للمسلم فعل المحرم عند الاضطرار إليه، ومن ذلك قوله تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ {الأنعام:119} ، ولقاعدة أن الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها، لقول الله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ {البقرة:173} .
ومعلوم أن المسكن الذي يأوي إليه المرء من ضروراته المؤكدة، فمن لم يجد مالًا ليشتري به مسكنًا، وكان لا يقدر على الاستئجار نظرا لقلة ما يحصل عليه من أجر مقابل عمله جاز له أن يشتري بيتا بقرض ربوي إن لم يجد قرضًا حسنًا.
ولكن ينبغي أن تعلم أن ما ذكرته في سؤالك ليس من المعاملات المحرمة، فكون المقرضين في بلدك يبيعون لك البيت ويقتطعون من راتبك الشهري على فترة قد تصل إلى أكثر من عشر سنوات لا يعتبر ربا، طالما أن فترة الاقتطاع محددة.
وأما عن هجرتك إلى بلاد الكفر لتحصيل أمر لم يتيسر لك في غيرها، فإن أمنت على نفسك وأهلك الفتن، وقدرت على إقامة شعائر الإسلام فلا بأس بها، وإن لم تأمن الفتنة في دينك فإنها لا تجوز لك.
والله أعلم.
رقم الفتوى:66905تاريخ الفتوى:07 شعبان 1426السؤال:
أرجو التكرم بالإجابة على سؤالي هذا تحديدا دون تحويل الأمر إلى فتوى سابقة أو رد على سؤال سابق السؤال هل يجوز أن أسمح لزوجتي ومعها ابني وعمره عام ونصف بالسفر إلى أمريكا لزيارة أختها المتزوجة هناك وأخيها؟
ولكم جزيل الشكر.
الفتوى:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإنه لا يجوز لك أن تأذن للمرأة بالسفر بدون محرم إلى أمريكا ولا إلى غيرها، لما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم.
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحل لامرأة أن تسافر ثلاثًا إلا ومعها ذو محرم منها. والحديث في الصحيحين .
ولا شك أن السفر بدون محرم يزداد تحريمًا إذا كان إلى بلاد الكفر التي نهى الشرع عن الإقامة فيها، إضافة إلى ما هم عليه من الانحلال والتفسخ والفساد الأخلاقي، قال النووي رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا ومعها ذو محرم. وفي رواية: فوق ثلاث. وفي رواية: ثلاثة. وفي رواية: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم. وفي رواية: لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها. وفي رواية: نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين. وفي رواية: لا يحل لامرأة مسلمة تسافر ليلة إلا ومعها ذو حرمة منها. وفي رواية: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم.
وفي رواية: مسيرة يوم وليلة. وفي رواية: لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم. هذه روايات مسلم.
وفي رواية لأبي داود: ولا تسافر بريدًا. والبريد مسيرة نصف يوم. قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة أو البريد، قال البيهقي: كأنه صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة تسافر ثلاثًا بغير محرم فقال: لا. وسئل عن سفرها يومين بغير محرم فقال: لا. وسئل عن سفرها يوما فقال: لا. وكذلك البريد. فأدى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفًا عن رواية واحدة فسمعه في مواطن، فروى تارة هذا، وتارة هذا، وكله صحيح، وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد صلى الله عليه وسلم تحديد أقل ما يسمى سفرًا، فالحاصل أن كل ما يسمى سفرًا تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام أو يومين، أو يومًا، أو بريدًا، أو غير ذلك، لرواية ابن عباس المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السابقة: لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم. وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرًا. والله أعلم. انتهى من شرح مسلم للنووي.
وقد حكي الإجماع على تحريم سفر المرأة بلا محرم، إلا السفر للحج والعمرة، والخروج من دار الشرك، أو الفرار من الأسر، قال الحافظ ابن حجر في شرح حديث الصحيحين السابق: واستدلوا به على عدم جواز السفر للمرأة بلا محرم، وهذا إجماع في غير الحج والعمرة، والخروج من دار الشرك.
ونقل النووي عن القاضي عياض قوله: واتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلا مع ذي محرم، إلا الهجرة من دار الحرب فاتفقوا على أن عليها أن تهاجر منها إلى دار الإسلام، وإن لم يكن معها محرم...
قال القاضي عياض: قال الباجي: هذا عندي في الشابة، وأما الكبيرة غير المشتهاة فتسافر في كل الأسفار بلا زوج ولا محرم.
وهذاالذي قاله الباجي لا يوافق عليه، لأن المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: لكل ساقطة لاقطة. ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس، وسقطهم ما لا يترفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها، لغلبة شهوته وقلة دينه ومروءته، وخيانته، ونحو ذلك. والله أعلم. انتهى من شرح النووي.