فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 1664

هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، والحمدلله رب العالمين .

كتبه / عبد العزيز بن صالح الجربوع

وكان الفراغ منه 24ربيع الآخر لعام 1422هـ

الهجرة إلى الله:

قال تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* (26) سورة العنكبوت

قال الإمام القرطبي رحمه الله (1) :

قوله تعالى: { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ } لُوطٌ أوّل من صدّق إبراهيم حين رأى النار عليه بردًا وسلامًا . قال ابن إسحاق آمن لوط بإبراهيم وكان ابن أخته ، وآمنت به سارّة وكانت بنت عمه . { وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي } قال النّخعيّ وقتادة: الذي قال: { إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي } هو إبراهيم عليه السلام . قال قتادة: هاجر من كوثا وهي قرية من سواد الكوفة إلى حرّان ثم إلى الشام ، ومعه ابن أخيه لوط بن هاران ابن تارخ ، وامرأته سارة . قال الكلبي: هاجر من أرض حرّان إلى فلسطين . وهو أوّل من هاجر من أرض الكفر . قال مقاتل: هاجر إبراهيم وهو ابن خمس وسبعين سنة . وقيل: الذي قال: { إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي } لوط عليه السلام . ذكر البيهقي عن قتادة قال: أوّل من هاجر إلى الله عز وجل بأهله عثمان بن عفان رضي الله عنه . قال قتادة: سمعت النضر بن أنس يقول: سمعت أبا حمزة يعني أنس بن مالك يقول:"خرج عثمان بن عفان ومعه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة ، فأبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم ، فقدمت امرأة من قريش فقالت: يا محمد رأيت خَتَنك ومعه امرأته . قال: «على أي حال رأيتهما» قالت: رأيته وقد حمل امرأته على حمار من هذه الدَّبَّابة وهو يسوقها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صحبهما الله إن عثمان لأوّل من هاجر بأهله بعد لوط» "قال البيهقي: هذا في الهجرة الأولى ، وأما الهجرة الثانية إلى الحبشة فهي فيما زعم الواقدي سنة خمس من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم . { إلى ربي } أي إلى رضا ربي وإلى حيث أمرني . { إِنَّهُ هُوَ العزيز الحكيم } تقدم . وتقدم الكلام في الهجرة في «النساء» وغيرها .

وقال الإمام ابن كثير رحمه الله (2) :

قول تعالى مخبرًا عن إبراهيم: أنه آمن له لوط، يقال: إنه ابن أخي إبراهيم، يقولون هو: لوط بن هاران بن آزر، يعني: ولم يؤمن به من قومه سواه، وسارة امرأة [إبراهيم] (8) الخليل. لكن يقال: كيف الجمع بين هذه الآية، وبين الحديث الوارد في الصحيح (9) : أن إبراهيم حين مَرّ على ذلك الجبار، فسأل إبراهيم عن سارة: ما هي منه؟ فقال: [هي] (10) أختي، ثم جاء إليها فقال لها: إني قد قلت له:"إنك: أختي"، فلا تكذبيني، فإنه ليس على وجه الأرض [أحد] (11) مؤمن غيرك وغيري (12) ، فأنت أختي في الدين. وكأن المراد من هذا -والله أعلم -أنه ليس على وجه

(8) زيادة من ف، أ.

(9) صحيح مسلم برقم (2371) .

(10) زيادة من ت.

(11) زيادة من ت، أ.

(12) في ت:"غيري وغيرك".

الأرض زوجان على الإسلام غيري وغيرك، فإن لوطا عليه السلام، آمن به من قومه، وهاجر معه إلى بلاد الشام، ثم أرسِل في حياة الخليل إلى أهل"سَدوم"وإقليمها، وكان من أمرهم (1) ما تقدم وما سيأتي.

وقوله: { وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي } يحتمل عود الضمير في قوله: { وَقَالَ } ، على لوط، لأنه (2) أقرب المذكورين، ويحتمل عوده إلى إبراهيم -قال (3) ابن عباس، والضحاك: وهو المكنى عنه بقوله: { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ } أي: من قومه.

ثم أخبر عنه بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم، ابتغاء إظهار الدين والتمكن من ذلك؛ ولهذا قال: { إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ } أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين به، { الْحَكِيمُ } في أقواله وأفعاله وأحكامه القدرية والشرعية.

وقال قتادة: هاجرا جميعا من"كوثى"، وهي من سواد (4) الكوفة إلى الشام. قال: وذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنها ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز أهل الأرض إلى مُهَاجَر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها، حتى تلفظهم أرضهم وتقذرُهم روح الله، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتَقِيل معهم إذا قالوا، وتأكل ما سقط منهم".

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 4273)

(2) - تفسير ابن كثير - (ج 6 / ص 272)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت