فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 1664

وقديمًا قص القرآن الكريم قول الكافرين للمؤمنين:

أي الفريقين ؟ الكبراء الذين لا يؤمنون بمحمد ؟ أم الفقراء الذين يلتفون حوله ؟ أي الفريقين ؟ النضر بن الحارث ، وعمرو بن هشام ، والوليد بن المغيرة ، وأبو سفيان بن حرب ؟ أم بلال وعمار وصهيب وخباب ؟ أفلو كان ما يدعو إليه محمد خيرًا أفكان أتباعه يكونون هم هؤلاء النفر ، الذين لا سلطان لهم في قريش ولا خطر ، وهم يجتمعون في بيت متواضع كدار الأرقم ، ويكون معارضوه هم أولئك أصحاب الندوة الفخمة الضخمة ، والمجد والجاه والسلطان ؟!

إنه منطق الأرض ، منطق المحجوبين عن الآفاق العليا في كل زمان ومكان . وإنها لحكمة الله أن تقف العقيدة مجردة من الزينة والطلاء عاطلة من عوامل الإغراء ، لا قربى من حاكم ، ولا اعتزاز بسلطان ، ولا هتاف بلذة ، ولا دغدغة لغريزة . وإنما هو الجهد والمشقة والجهاد والاستشهاد .. ليقبل عليها من يقبل ، وهو على يقين من نفسه أنه يريدها لذاتها خالصة لله من دون الناس ، ومن دون ما تواضعوا عليه من قيم ومغريات ، ولينصرف عنها من يبتغي المطامع والمنافع ، ومن يشتهي الزينة والابهة ، ومن يطلب المال والمتاع ، ومن يقيم لاعتبارات الناس وزنًا حين تخف في ميزان الله .

إن المؤمن لا يستمد قيمه وتصوراته وموازينه من الناس حتى يأسى على تقدير الناس ، إنما يستمدها من رب الناس وهو حسبه وكافيه .. إنه لا يستمدها من شهوات الخلق حتى يتأرجح مع شهوات الخلق ، إنما يستمدها من ميزان الحق الثابت الذي لا يتأرجح ولا يميل .. إنه لا يتلقاها من هذا العالم الفاني المحدود ، وإنما تنبثق في ضميره من ينابيع الوجود .. فأنّى يجد في نفسه وهنًا أو يجد في قلبه حزنًا ، وهو موصول برب الناس وميزان الحق وينابيع الوجود ؟

إنه على الحق .. فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ وليكن للضلال سلطانه ، وليكن له هيله وهيلمانه ، ولتكن معه جموعه وجماهيره .. إن هذا لا يغير من الحق شيئًا ، إنه على الحق وليس بعد الحق إلا الضلال ، ولن يختار مؤمن الضلال على الحق - وهو مؤمن - ولن يعدل بالحق الضلال كائنة ما كانت الملابسات والأحوال ..

يقول الشيخ عبد الرحمن السديس إمام الحرم: (1)

عباد الله، تعيش الأمة الإسلامية هذه الأيام إشراقة سنة هجرية جديدة، وإطلالة عام مبارك بإذن الله، بعد أن أَفَلَت شمس عام كامل، مضى بأفراحه وأتراحه، فقوِّضت خيامه، وتصرّمت أيامه، فالله المستعان عباد الله، ما أسرع مرور الليالي والأيام، وتصرّم الشهور والأعوام، لكن الموفَّق الملهم من أخذ من ذلك دروسا وعبرا، واستفاد منه مدَّكرًًا ومزدجرًا، وتزود من المَمَرِّ للمقر، فإلى الله سبحانه المرجع والمستقر، والكيس المُسَدَّد من حاذر الغفلة عن الدار الآخرة حتى لا يعيش في غمرة، ويؤخذ على غرة، فيكون بعد ذلك عظة وعبرة، والله نسأل أن يجعل من هذا العام نصرة للإسلام والمسلمين، وصلاحا لأحوالهم في كل مكان، وأن يعيده على الأمة الإسلامية بالخير والنصر والتمكين إنه جواد كريم.

إخوة الإسلام، حديث المناسبة في مطلع كل عام هجري ما سطّره تأريخنا الإسلامي المجيد من أحداث عظيمة، ووقائع جسيمة، لها مكانتها الإسلامية، ولها آثارها البليغة في عزِّ هذه الأمة وقوتها وصلاح شريعتها لكل زمان ومكان، وسعيها في تحقيق مصالح العباد في أمور المعاش والمعاد.

معاشر المسلمين، ما أجمل أن نشير إشارات عابرة لعدد من القضايا المهمة الجديرة بالإشادة والتذكير ونحن في بداية هذا العام الجديد، علها تكون سببا في شحذ الهمم واستنهاض العزمات للتمسك الجاد بكتاب الله وسنة رسوله ، وحاملة على الاتعاظ والاعتبار، ووقفاتِ المحاسبة الدقيقة، ونظرات المراجعة المستديمةِ في الأمة تجديدا في المواقف وإصلاحا في المناهج وتقويما للمسيرة في كافة جوانبها.

(1) - موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2333)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت