والقول الثاني: للجمهور وبعض من ند عن رأي الحنفية مثل الحسن حيث يرى أن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب ، فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائما،ونقل عنه ذلك الجصاص ، وخالفه الرأي.
وممن يرى هذا الرأي على سبيل المثال لا الحصر ، الخطابي ، و الطيبي والنووي،و الحافظ بن حجر ، وابن قدامة ، و ابن العربي ، وابن تيمية ، وتلميذه ابن القيم والشوكاني من بعدهم ، ينقل عنهم ويرجح ذلك ، وأئمة الدعوة السلفية بدءًا بالمجدد محمد بن عبد الوهاب ، ونهاية بالعلامة محمد بن ابراهيم .
وفي ذلك يقول ابن العربي في أحكام القرآن: الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام وكانت فرضا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستمرت بعده لمن خاف على نفسه ، والتي انقطعت بالأصالة هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان وقوله ( ولكن جهاد ونية ) قال الطيبي وغيره: هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده ، لما قبله ، والمعنى أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة قد انقطعت ، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة ،كالفرار من دار الكفر ، والخروج في طلب العلم والفرار من الفتن والنية في جميع ذلك معتبرة .
وقال النووي: المعنى أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة .
وقال ابن قدامة في المغني ردًا على من يرى النسخ: ولنا ما روى معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها } . رواه أبو داود . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه , قال: { لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد } . رواه سعيد , وغيره , مع إطلاق الآيات ، والأخبار الدالة عليها , وتحقق المعنى المقتضي لها في كل زمان . وأما الأحاديث الأول , فأراد بها لا هجرة بعد الفتح من بلد قد فتح . وقوله لصفوان:"إن الهجرة قد انقطعت". يعني من مكة ; لأن الهجرة الخروج من بلد الكفار , فإذا فتح لم يبق بلد الكفار , فلا تبقى منه هجرة . وهكذا كل بلد فتح لا يبقى منه هجرة , وإنما الهجرة إليه .
هذا باختصار شديد للمسألة ، والناظر بعين الاعتبار ، والبصيرة يجد أن قول الجمهور بعدم النسخ ، وأن الحكم ثابت هو الراجح لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ، والنسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأدلة والجمع حاصل ولله الحمد حيث أجاب الجمهور على اعتراضات من يرى النسخ . والله أعلم
ويبقى أن نعلم أن الذين قالوا ببقاء حكم الهجرة ، وأنه ثابت،قد اختلفوا هل هو على الوجوب ، أم على الاستحباب والندب ، ولو أردت استقصاء أقوال أهل العلم في ذلك لطال البحث ، وتشتت القارئ ولكن باجتهاد مني أوجز الأمر ، بأن مسألة الهجرة لا نستطيع أن نقول بإيجابها على الإطلاق ، ولا بندبها أو إباحتها على الإطلاق كذلك ، ولكن التفصيل بحسب حال وواقع المهاجر ، وحال وواقع البلد المهَاجِرِ منها والمهَاجَرِ إليها وعلى فرض أنه سيهاجر من بلد كفر إلى بلد إسلام ، أو من بلد فساد إلى بلد صلاح،فلا يخلوا حال هذا المقيم بدار الكفر، ويريد الهجرة إلى دار الإسلام من حالات أربع ، أذكرها في خامسًا .
1-…أن لا يستطيع إظهار دينه في دار الكفر ، ويمكنه الهجرة.
2-…أن لا يستطيع إظهار دينه في دار الكفر ، ولا يمكنه الهجرة.
3-…أن يستطيع إظهار دينه في دار الكفر ، ولا يمكنه الهجرة إن أراد.
4-…أن يستطيع إظهار دينه في دار الكفر ، و يمكنه الهجرة إن أراد.
فالبنسبة للحالة الأولى: أن لا يستطيع إظهار دينه في دار الكفر ، ويمكنه الهجرة فقد اتفق أهل العلم اتفاقًا أشبه بالإجماع على أن الهجرة في هذه الحالة واجبة ومن لم يهاجر فإن الوعيد ينتظره ولذا كانت براءة الرسول صلى الله عليه وسلم منه ، بل إن كانت أنثى لا تجد محرما وكانت تأمن على نفسها في الطريق أو كان خوف الطريق أقل من خوف المقام في دار الحرب . وجبة عليها الهجرة ، لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } (النساء:97) وفي الآية وعيد شديد , والوعيد الشديد لا يكون إلا في ارتكاب المحرم وترك الواجب . ولحديث: { أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين لا تتراءى ناراهما } وحديث: { لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل } أما حديث: { لا هجرة بعد الفتح } فمعناه لا هجرة من مكة بعد فتحها , لصيرورة مكة دار إسلام إلى يوم القيامة ، وهذا هو رأي الجمهور من أهل العلم في معنى الحديث ،إلا ما ندر منهم ولذا قال الصنعاني في سبل السلام: