[ والحديث دليل على وجوب الهجرة من ديار المشركين من غير مكة وهو مذهب الجمهور لحديث جرير ولما أخرجه النسائي من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا { لا يقبل الله من مشرك عملا بعدما أسلم أو يفارق المشركين } ولعموم قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } (النساء:97) الآية وذهب الأقل إلى أنها لا تجب الهجرة وأن الأحاديث منسوخة للحديث الآتي وهو حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية } متفق عليه ، قالوا فإنه عام ناسخ لوجود الهجرة الدال عليه ما سبق وبأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر من أسلم من العرب بالمهاجرة إليه , ولم ينكر عليهم مقامهم ببلدهم ولأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية قال لأميرهم: {إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال , فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم , ثم ادعهم إلى التحول عن دارهم إلى دار المهاجرين , وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين , فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله تعالى الذي يجري على المؤمنين } الحديث سيأتي بطوله فلم يوجب عليهم الهجرة والأحاديث غير حديث ابن عباس محمولة على من لا يأمن على دينه قالوا: وفي هذا جمع بين الأحاديث .
وأجاب من أوجب الهجرة بأن حديث لا هجرة يراد به نفيها عن مكة كما يدل له قوله بعد الفتح فإن الهجرة كانت واجبة من مكة قبله ] وقال الشافعي في أحكام القرآن:
[ وفرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على من قدر على الهجرة , الخروج إذا كان ممن يفتتن عن دينه ولا يمنع . فقال في رجل منهم توفي: تخلف عن الهجرة , فلم يهاجر {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } (النساء:97) وأبان الله ( عز وجل ) عذر المستضعفين فقال: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} ويقال: ( عسى ) من الله: واجبة . ودلت سنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) على أن فرض الهجرة على من أطاقها , إنما هو على من فتن عن دينه بالبلدة التي يسلم بها . لأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أذن لقوم بمكة أن يقيموا بها , بعد إسلامهم منهم: العباس بن عبد المطلب , وغيره إذ لم يخافوا الفتنة . وكان يأمر جيوشه أن يقولوا لمن أسلم إن هاجرتم فلكم ما للمهاجرين وإن أقمتم فأنتم كأعراب المسلمين وليس يخيرهم ] .
وقال صاحب نيل الأوطار تحت مسألة ( مساكنة الكفار ) :
[ وقال ابن العربي: الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام , وكانت فرضا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم واستمرت بعده لمن خاف على نفسه والتي انقطعت أصلا هي القصد إلى حيث كان . وقد حكى في البحر أن الهجرة عن دار الكفر واجبة إجماعا حيث حمل على معصية فعل أو ترك أو طلبها الإمام بقوته لسلطانه . وقد ذهب جعفر بن مبشر وبعض الهادوية إلى وجوب الهجرة عن دار الفسق قياسا على دار الكفر , وهو قياس مع الفارق . والحق عدم وجوبها من دار الفسق لأنها دار إسلام وإلحاق دار الإسلام بدار الكفر بمجرد وقوع المعاصي فيها على وجه الظهور ليس بمناسب لعلم الرواية ولا لعلم الدراية , وللفقهاء في تفاصيل الدور والأعذار المسوغة لترك الهجرة مباحث ليس هذا محل بسطها ] .
من هذه الأقوال المستندة للأدلة الشرعية يتضح لنا وجوب الهجرة في مثل هذه الحالة وجوبًا عينيًا لا مرية فيه ألبتة .
الحالة الثانية: أن لا يستطيع إظهار دينه في دار الكفر ، ولا يمكنه الهجرة .
فقد اتفق أهل العلم أيضًا في مثل هذه الحالة على عدم الهجرة ولا يعلم في ذلك مخالف لقوله تعالى {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} وعدم الاستطاعة هنا إما أن تكون لمرض , أو إكراه على الإقامة في دار الكفر أو ضعف كالنساء , والولدان . أو غير ذلك من أنواع العجز المسقط لحكم وجوب الهجرة .