ليست الهجرة هجرة مرة في العمر أو هجرة أمكنة، بل هي هجرة كل لحظة إلى الله.. إنكارًا للمنكر وإحقاقًا للمعروف ونصرة لله ورسوله أينما كنا.. في أي زمان عشنا.. وقد تداخلت الأزمنة باقتراب الوعد بالحق.
"إنِّي مهاجرٌ إلى رَبِّي".. هذا هو شعار المرحلة.. لا هروب ولا انعزال، ولا إلقاء بالنفس في بحر لُجِّيّ من ظلمات ما بعد الحداثة في استسلام، بل هجرة إلى الله دائمة نجدد نيَّتنا ونشْحَذ همتنا ونوظف المتاح من أدوات عصرنا، ونعيد قراءة سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونرنو إلى لقائه على الحوض، لم نُحْدِث بعده ما يحرمنا شفاعته حتى نكون يومها من أصحابه صلى الله عليه وسلم.
الهجرة في اللغة اسمٌ من هجر يهجُر هَجْرا وهِجرانا بمعنى الفطع والترك؛ قال ابن فارس:"الهاء والجيم والراء أصلان، يدل أحدهما على قطيعة وقطع، والآخر على شد شيء وربطه. فالأول الهَجْر: ضد الوصل، وكذلك الهِجْران، وهاجر القوم من دار إلى دار: تركوا الأولى للثانية، كما فعل المهاجرون حين هاجروا من مكة إلى المدينة".
أما الهجرة شرعًا فالمشهور في تعريفها أنها ترك دار الكفر والخروج منها إلى دار الإسلام، غير أن الحافظ ابن حجر عرفها تعريفًا أشمل وأعم فقال:"الهجرة في الشرع ترك ما نهى الله عنه،وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (( المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) )وهي تشمل الهجرة الباطنة والهجرة الظاهرة، فأما الهجرة الباطنة فهي ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء وما يزيّنه الشيطان، وأما الظاهرة فهي الفرار بالدين من الفتن، والأولى أصل للثانية."
ولما كانت الثانية أعظم أمارات الأولى وأكمل نتائجها، و لما كانت هجرته صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة أشرف الهجرات وأشهرها انصرف اللفظ عند الإطلاق إليها.
أما لفظ الهجرتين فهو عند الإطلاق يراد به الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة ، وقد يراد به معنى آخر كما بين الإمام ابن القيم في مقدمة كتابه طريق الهجرتين وباب السعادتين حيث بين مقصده بالهجرتين بقوله:"فله _أي المؤمن _ في كل وقت هجرتان:"
هجرة إلى الله بالطلب والمحبة والعبودية، والتوكل والإنابة والتسليم، والتفويض والخوف والرجاء والإقبال عليه وصدق اللجإ والافتقار في كل نفس إليه.
وهجرة إلى رسوله في حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة، بحيث تكون موافقة لشرعه الذي هو تفصيل محاب الله ومرضاته، ولا يقبل الله من أحد دينًا سواه، وكل عمل سواه فعيش النفس وحظها لا زاد المعاد، وقد قال شيخ الطريقة وإمام الطائفة الجنيد بن محمد قدس الله روحه: الطرق كلها مسدودة إلا طريق من اقتفى آثار النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله عز وجل يقول: وعزتي وجلالي لو أتوني من كل طريق واستفتحوا من كل باب لما فتحت لهم حتى يدخلوا من خلفك، وقال بعض العارفين: كل عمل بلا متابعة فهو عيش النفس.""
على ضوء التعريفات السابقة يمكن تقسيم الهجرة إلى نوعين اثنين:
1-الهجرة المعنوية: وهي الهجرة التي قصدها الإمام ابن القيم: الهجرة من المعصية إلى الطاعة ومن البدعة إلى السنة ومن الكفر إلى الإسلام .
الهجرة الحسية: وهي التي تتطلب انتقالًا من مكان إلى أخر ، ومن أمثلتها:
أ الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وهذه أشرف الهجرات وأفضلها على الإطلاق.
ب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام وهذه يختلف حكمها باختلاف الظروف والأوضاع.
ج هجرة أهل الذنوب والمعاصي وهجرة أهل الأهواء والبدع بمفارقتهم ومقاطعتهم ومباعدتهم زجرًا لهم أو حذرًا منهم.
د- الهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن فعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ويبقى في الأرض شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تقذرهم نفس الله، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير ) ).