ولكن يلاحظ أن عددًا غير قليل من شبابنا يهاجرون من أوطانهم، ولو كان في هذا بيع لدينهم فتتلاشى عقولهم وقلوبهم وحياتهم، ويذوبون في المجتمعات التي هاجروا إليها، ولم يأخذوا منها إلا الانسلاخ عن العقيدة والدين، مع ما قد يكون فيها من فوائد كثيرة، ومصالح عديدة.
وأقصد من هذا أنه يجب ألا تكون الهجرة مقصودة في ذاتها، بل تكون سبيلا لشيء نافع، ولعل الضابط الذي وضعه الفقهاء في هذا هو الحفاظ على الدين؛ فمن رأى من نفسه القدرة على الحفاظ على دينه، والنيل من متاع الدنيا فلا بأس بهذا، وإن كان قادرا على عرض الإسلام بصورة جيدة، فقد جمع الله تعالى له الحسنيين، أو كما قال القائل فيمن يجمع الله تعالى له ثواب الدنيا والآخرة: نصنع كأم موسى؛ ترضع ولدها، وتأخذ أجرها.
وإن كانت الهجرة ترتبط بالانتقال من مكان إلى مكان، فهناك هجرة الحال، وهي أن ينتقل الإنسان من حال إلى حال، ومن باب أولى أن يكون المقصود بها الانتقال من حالة إلى الأحسن، أو ما يعبر عنه في الدعاء:"اللهم غيّر حالنا إلى أحسن حال".
وفي الهجرة تجديد
وهذه الهجرة باقية إلى يوم القيامة، وكلنا في حاجة إليها، وإن كانت الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني ينعق بها الآن كل ناعق، ممن صحت نيته وسريرته، أو كانت ستارا لمغنم شخصي، سواء أكانت من قِبل أفراد، أو من قبل دول، فإنه يجب تجديد الحالة الدينية، وهي في طياتها تحمل معنى الهجرة؛ ذلك لأن الإنسان بطبعه متغير، يزيد إيمانه وينقص، يسيء ويحسن، يصيب ويخطئ، وهذه طبيعة البشر"لو لم تذنبوا لأتى الله بأقوام غيركم، يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم"، وليس الحديث دعوة للذنب، فما أكثر ذنوب العباد، ولكن هي دعوة للاستغفار، ولعل هجرة الحال، وتجديد الحالة الدينية مطلوب على دوام اليوم، فقد أخبر المعصوم -صلى الله عليه وسلم- عن ربه أنه سبحانه يتنزل كل يوم إلى السماء الدنيا، فينادي: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر الله؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من كذا، هل من كذا... حتى يطلع الفجر.
وكذلك في الحديث:"إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها".
هجرات مطلوبة
ولعلنا -ونحن في ذكرى الهجرة- نريد أن ننظر إلى أنفسنا، وأن نسطر مساوئنا وما علق في نفوسنا من شوائب؛ فنسعى إلى تصحيحها، وننشد الأصلح لها، وهذا الملمح أحسبه واحدا من أوجه التجديد الديني الذي يجب الانتباه له.
وإن كنا ندعو إلى هجرة الرذائل في الأخلاق والسلوك، فإننا أيضا في حاجة إلى هجرة الرذائل فيما يخص شئون حياتنا عامة، وأن نأخذ من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ما ينفعنا في مسيرتنا؛ فنهجر العشوائية في تسيير أمورنا، ونهجر الجدال الذي لا يراد به حق، ونهجر تضييع الوقت بغير شيء نافع، ونهجر عدم إتقان العمل، وغير ذلك مما يعرفه كل إنسان عن نفسه، وإن اشترك البعض في مساحات معينة، ولكن يبقى التمايز بين بني البشر سمة أساسية.
(*) محرر بالقسم الشرعي بالموقع.
الهجرة إلى الله في عصر الإنترنت
ذكرى الهجرة تحتاج منَّا إلى إعادة قراءة.. فدروسها تتجاوز الزمان والمكان، فهي تحتمل أكثر من قراءة وفهم حتى يمكننا تنزيلها في كل زمان ومكان.."بلسان قومه ليُبيِّن لهم".
هل نهاجر الآن من دار كفر لدار إيمان؟ وأين هي دار الإيمان الخالصة وقد طغت الدور على بعضها البعض وامتزجت، ثم نشأت دور متخيلة هي ساحة الإنترنت التي هاجرت إليها اتجاهات إسلامية بعد التضييق عليها لتؤسس دولتها"المتخيلة"على موقع إلكتروني، ولم ينسَ البعض أن يأخذ معه كل مفاهيمه دون أدنى تغيير أو تطوير أو تنزيل على هذا الواقع الجديد، كما ظهرت الفتاوى الإلكترونية التي تحرم هذا وتبيح ذاك، يقدم الفتوى فيها أهل التخصص تارة، وأبناء هذا العصر المتسلحون بالهَمِّ الإسلامي والجرأة لعلاج المشكلات تارة أخرى، وكالعادة هناك من يطلقون فتاوى التكفير على الإنترنت في مواقع عدة، وفي المقابل يغرقنا مجتمع الجاهلية المعاصرة بالمفاهيم والصور والبرامج والمناهج التي تُدخل"دارهم"في عقر دارنا.
إلى أين يفر المؤمن بدينه؟ الحبشة ما عاد فيها ملك عادل، والذين ظننا بهم العدل يريدوننا مواطنين مستأنسين بلا هوية ولا ماض… فإلى أين نفر؟
إلى ساحة المتخيل ننشئ لنا على الإنترنت دورًا نأوي إليها؟ بلا مهاجرين ولا أنصار، بل ساحات مبارزة بالكلمة، وجهاد"بالفأرة"نمسكها في أيدينا بعد أن سقطت السيوف وصار توازن الرعب النووي يخيم فوق رؤوسنا؟
جلست أتأمل في الهجرة ودلالاتها ووجدت أن"آخر الزمان"لم يعد يتيح خيارات في الهجرة سوى الهجرة إلى الله -سبحانه وتعالى- استمساكًا بالدين نَعَضُّ عليه بالنَّواجِذ، ونسعى لاتقاء الفتن ما ظهر منها وما بطن ونتواصى بالحق والصبر - وأحد مجالاته التواصل عبر الإنترنت - ونسير في هذا العالم الذي يموج بالأفكار والمذاهب مستعصمين بالكتاب والسنة غير مبدِّلين ولا ناكصين.