وهذا النوع من الهجرة قد شرعه الله تعالى لعباده، وحضهم عليه في نصوص عدة، كما في قوله تعالى: { وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } النساء:100.
وقال تعالى: { وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } النحل:41.
وقال تعالى: { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } النحل:110.
وقال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ
آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ الأنفال:74.
وفي الحديث فقد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"برئت الذمة ممن أقام مع المشركين في ديارهم" [ (1) ] .
وقال - صلى الله عليه وسلم:"أنا بريء من كل مسلمٍ يقيم بين أظهر المشركين"قالوا: يا رسول الله ولمَ ؟ قال:"لا تراءى نارَاهُما" [ (2) ] .
وقال - صلى الله عليه وسلم:"آمركم بخمس كلمات أمرني الله بهنّ: السمع والطاعة، والجماعة، والهجرة، والجهاد" [ (3) ] .
وعن أبي فاطمة أنه قال يا رسول الله، حدثني بعمل أستقيم عليه وأعمله. قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"عليك بالهجرة، فإنه لا مِثل لها" [ (4) ] . أي لا مثل لها من حيث الخير والثواب الذي تدره على صحبها المهاجر .. في الدنيا والآخرة.
وعن جرير قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله، ابسط يدك حتى أبايعك، واشترط عليَّ، فأنت أعلم، قال:"أبايعك على أن تعبدَ الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتُناصح المسلمين، وتفارقَ المشركين" [ (5) ] .
وقال - صلى الله عليه وسلم:"إني بريء من كل مسلم مع مشرك .. ألا لا تراءى نارهما"
" [ (6) ] . وذلك كناية على المفارقة وبعد السكن الذي يفصل المسلم عن مساكن المشركين."
وقال - صلى الله عليه وسلم:"من جامع المشرك، وسكن معه، فإنه مثله" [ (7) ] .
وقال - صلى الله عليه وسلم:"من خرج به خُراجٌ في سبيل الله فإن عليه طابع الشهداء" [ (8) ] .
وقال - صلى الله عليه وسلم:"إن الرجل إذا مات بغير مولده، قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة" [ (9) ] . وذلك ترغيبًا بالهجرة ومفارقة الديار في سبيل الله ..!
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: مات رجل بالمدينة ممن وُلد بها، فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال:"يا ليته مات بغير مولده". قالوا: ولمَ ذاك يا رسول الله ؟ قال:"إن الرجل إذا مات بغير مولده قِيس له من مولده إلى منقطَع أثره في الجنة" [ (10) ] .
وغيرها كثير من الأحاديث والنصوص الشرعية التي تحض على هذا النوع من الهجرة في سبيل الله وترغِّب به .. والتي ترهّب من التقاعس أو التخلف عنه.
أما النوع الثاني من الهجرة: هو هجر المعاصي والذنوب والآثام، وكل
ما نهى الله تعالى عنه، كما في الحديث الصحيح:"المسلم من سلم المسلمون"
من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"البخاري."
ومما نهى الله تعالى عنه الإقامة بين أظهر المشركين .. فالحديث عام يشمل نوعي الهجرة: هجر الديار والأوطان، وهجر المعاصي والذنوب والآثام.
وقال - صلى الله عليه وسلم:"المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر من هجرَ الخطايا والذنوب" [ (11) ] .
وقال - صلى الله عليه وسلم:"أفضل الهجرة أن تهجر ما كره ربك - عز وجل -" [ (12) ] .
وفي رواية: سُئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الهجرة أفضل؟ قال:"من هجر ما حرم الله" [ (13) ] .
قال ابن حجر في الفتح 1/5: وهذه الهجرة ضربان: ظاهرة وباطنة؛ فالباطنة ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، والظاهرة الفرار بالدين من الفتن ا- هـ.
الهجرة لم تُشرع لذاتها بغض النظر عن البواعث والغايات منها .. حيث أن للهجرة بواعث وغايات حيثما توجد توجد الهجرة، وحيثما تنتفي تلك البواعث والغايات تنتفي معها الهجرة .. أهم تلك البواعث والغايات، هي:
(1) أخرجه الطبراني وغيره، صحيح الجامع الصغير: 2818.
(2) صحيح سنن الترمذي: 1307.
(3) الترمذي وغيره، صحيح سنن الترمذي: 2298.
(4) صحيح سنن النسائي: 3885.
(5) صحيح سنن النسائي: 3893.
(6) صحيح سنن أبي داود: 2420.
(7) السلسلة الصحيحة: 2330.
(8) صحيح سنن أبي داود: 2216.
(9) صحيح سنن النسائي: 1728.
(10) أخرجه النسائي وغيره، صحيح الترغيب والترهيب: 3134.
(11) صحيح سنن ابن ماجة: 3178.
(12) أخرجه أحمد، السلسلة الصحيحة: 553.
(13) أخرجه أبو داود والنسائي، صحيح الترغيب: 1318.
(14) - انظر كتاب الهجرة مسائل وأحكام