فهرس الكتاب

الصفحة 709 من 1664

الْإِهْمَالِ مِنْ غَيْرِ تَلَافٍ , فَيَصِيرُ الْأَمَلُ خَيْبَةً وَالرَّجَاءُ إيَاسًا . وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: أَوَّلُ صَلَاحِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالزُّهْدِ وَالْيَقِينِ , وَفَسَادُهَا بِالْبُخْلِ وَالْأَمَلِ * . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رحمه الله: مَا أَطَالَ عَبْدٌ الْأَمَلَ , إلَّا أَسَاءَ الْعَمَلَ . وَقَالَ رَجُلٌ لِبَعْضِ الزُّهَّادِ بِالْبَصْرَةِ: أَلَكَ حَاجَةٌ بِبَغْدَادَ ؟ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَبْسُطَ أَمَلِي إلَى أَنْ تَذْهَبَ إلَى بَغْدَادَ وَتَجِيءَ . وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْجَاهِلُ يَعْتَمِدُ عَلَى أَمَلِهِ , وَالْعَاقِلُ يَعْتَمِدُ عَلَى عَمَلِهِ . وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: الْأَمَلُ كَالسَّرَابِ غَرَّ مَنْ رَآهُ , وَخَابَ مَنْ رَجَاهُ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزْدَانَ: دَخَلْت عَلَى الْمَأْمُونِ وَكُنْت يَوْمَئِذٍ وَزِيرَهُ فَرَأَيْته قَائِمًا وَبِيَدِهِ رُقْعَةٌ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقْرَأْت مَا فِيهَا ؟ فَقُلْت: هِيَ فِي يَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ . فَرَمَى بِهَا إلَيَّ فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ: إنَّك فِي دَارٍ لَهَا مُدَّةٌ يُقْبَلُ فِيهَا عَمَلُ الْعَامِلِ أَمَا تَرَى الْمَوْتَ مُحِيطًا بِهَا قَطَعَ فِيهَا أَمَلَ الْآمِلِ تَعْجَلُ بِالذَّنْبِ لِمَا تَشْتَهِي وَتَأْمُلُ التَّوْبَةَ مِنْ قَابِلِ وَالْمَوْتُ يَأْتِي بَعْدَ ذَا بَغْتَةً مَا ذَاكَ فِعْلُ الْحَازِمِ الْعَاقِلِ فَلَمَّا قَرَأْتهَا قَالَ الْمَأْمُونُ رحمه الله تعالى: هَذَا مِنْ أَحْكَمِ شَعْرٍ قَرَأْته . وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ الْأَعْرَجُ: نَحْنُ لَا نُرِيدُ أَنْ نَمُوتَ حَتَّى نَتُوبَ , وَنَحْنُ لَا نَتُوبُ حَتَّى نَمُوتَ . وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: زَائِدُ الْإِمْهَالِ رَائِدُ الْإِهْمَالِ . وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ تَقْصِيرُهُ فِيهِ اسْتِثْقَالًا لِلِاسْتِيفَاءِ , وَزُهْدًا فِي التَّمَامِ , وَاقْتِصَارًا عَلَى مَا سَنَحَ , وَقِلَّةَ اكْتِرَاثٍ فِيمَا بَقِيَ . فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَا أَخَلَّ بِهِ وَقَصَّرَ فِيهِ غَيْرَ قَادِحٍ فِي فَرْضٍ , وَلَا مَانِعٍ مِنْ عِبَادَةٍ , كَمَنْ اقْتَصَرَ فِي الْعِبَادَةِ عَلَى فِعْلِ وَاجِبَاتِهَا , وَعَمَلِ مُفْتَرَضَاتِهَا , وَأَخَلَّ بِمَسْنُونَاتِهَا وَهَيْئَاتِهَا . فَهَذَا مُسِيءٌ فِيمَا تَرَكَ إسَاءَةَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ وَعِيدًا وَلَا يَسْتَوْجِبُ عِتَابًا ; لِأَنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ يُسْقِطُ عَنْهُ الْعِقَابَ , وَإِخْلَالَهُ بِالْمَسْنُونِ يَمْنَعُ مِنْ إكْمَالِ الثَّوَابِ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ تَهَاوَنَ بِالدِّينِ هَانَ , وَمَنْ غَالَبَ الْحَقَّ لَانَ . وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَيَصُونُ تَوْبَتَهُ وَيَتْرُكُ غَيْرَ ذَلِكَ لَا يَصُونُهْ وَأَحَقُّ مَا صَانَ الْفَتَى وَرَعَى أَمَانَتُهُ وَدِينُهْ وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَا أَخَلَّ بِهِ مِنْ مَفْرُوضِ عِبَادَتِهِ , لَكِنْ لَا يَقْدَحُ تَرْكُ مَا بَقِيَ فِيمَا مَضَى كَمَنْ أَكْمَلَ عِبَادَاتٍ وَأَخَلَّ بِغَيْرِهَا . فَهَذَا أَسْوَأُ حَالًا مِمَّنْ تَقَدَّمَهُ لِمَا اسْتَحَقَّهُ مِنْ الْوَعِيدِ وَاسْتَوْجَبَهُ مِنْ الْعِقَابِ . وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَا أَخَلَّ بِهِ مِنْ مَفْرُوضِ عِبَادَتِهِ وَهُوَ قَادِحٌ فِيمَا عَمِلَ مِنْهَا كَالْعِبَادَةِ الَّتِي يَرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ , فَيَكُونُ الْمُقَصِّرُ فِي بَعْضِهَا تَارِكًا لِجَمِيعِهَا فَلَا يُحْتَسَبُ لَهُ مَا عَمِلَ لِإِخْلَالِهِ بِمَا بَقِيَ . فَهَذَا أَسْوَأُ أَحْوَالِ الْمُقَصِّرِينَ وَحَالُهُ لَاحِقَةٌ بِأَحْوَالِ التَّارِكِينَ , بَلْ قَدْ تَكَلَّفَ مَا لَا يُسْقِطُ فَرْضًا وَلَا يُؤَدِّي حَقًّا . فَقَدْ سَاوَى التَّارِكِينَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَعِيدِ , وَزَادَ عَلَيْهِمْ فِي تَكَلُّفِ مَا لَا يُفِيدُ . فَصَارَ مِنْ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ . ثُمَّ لَعَلَّهُ لَا يَفْطِنُ لِشَأْنِهِ , وَلَا يَشْعُرُ بِخُسْرَانِهِ , وَقَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ , وَيَفْطِنُ لِلْيَسِيرِ مِنْ مَالِهِ إنْ وَهَى وَاخْتَلَّ . وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَبُنَيَّ إنَّ مِنْ الرِّجَالِ بَهِيمَةً فِي صُورَةِ الرَّجُلِ السَّمِيعِ الْمُبْصِرِ فَطِنٌ بِكُلِّ مُصِيبَةٍ فِي مَالِهِ وَإِذَا يُصَابُ بِدِينِهِ لَمْ يَشْعُرْ

وفي المدخل (1) :

(1) - المدخل - (ج 1 / ص 467)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت