فهرس الكتاب

الصفحة 700 من 1664

معاشر الفارين إلى الله إن من رحمة الله تعالى بنا وبكم أنه إذا علم من عبده صدق الفرار إليه أعانه ووفقه ولم يتركه وحده واستمعوا معي إلى وعد من لا يخلف الميعاد يوم أن قال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (6) . ويقول جلت عظمته: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} (7) . وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: (( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ) ) (8) .فماذا تنتظروا أيها الأحبة في الله هذه الطريق ميسرة وهذا ربكم معين لكم ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين.أيها الأحبة في الله إني أدعوكم ونفسي لنتأمل في حالنا هل نحن فارون إلى الله كما أمرنا ؟ هل إذا نادى منادي الله حي على الصلاة حي الفلاح فررنا إلى بيوت الله نرتجي الثواب من الله ؟ أم أنا ننتظر الإقامة فإذا قامت الصلاة قمنا للوضوء متثاقلين لا يهمنا أن تفوتنا تكبيرة الإحرام أو تفوتنا ركعة أو ركعتان ؟ هل إذا سمعنا منادي الله ينادي في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم فزعنا من فرشنا وانتزعنا أنفسنا من الفرش الوثيرة والأحضان الدافئة وفررنا إلى الله ؟ هل فررنا إلى الله بتلاوة شيء من كتابه في كل يوم ؟ هل ..وهل..وتطول الأسئلة وكل أدرى بنفسه . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌوَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} (9) .

الخطبة الثانية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آ له وصحبه وسلم . أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وفروا إلى ربكم واعلموا رحمني الله وإياكم أن معنى الفرار إلى الله أن لا يشغل العبد فكره أو قلبه بشيء من الدنيا وإنما أن تكون الفكرة المسيطرة على حياته هي طلب الرضوان من الله عند ذلك يسخر العبد كل دنياه لله فهو إذا عمل فلله وإذا أكل فلله وإذا شرب فلله وإذا أحب فلله وإذا أبغض فلله ، إذا سيطرت هذه الفكرة على أفراد المجتمع يختفي ما يراه العبد من صراع على الدنيا واقتتال عليها وتحولها من وسيلة إلى غاية ، أخي الحبيب هاهو عمرك ينصرم وتطوى صفحته بكل ما حملته وعملت فيه من خير أو شر فإن كنت في سيرك إلى الله فيما مضى من عمرك بطيئًا ولم تفر إلى الله حق الفرار ففر إليه الآن من هذا المكان المبارك وفي هذا اللحظات الفاضلات اجعل منها نقطة انطلاقك في فرارك إلى ربك وخالقك،اجعلها لحظة استجابة لنداء الله يوم أن ناداك ففروا إلى الله،يا عبد الله إلى متى التسويف ؟ إذا لم تفر إلى الله الآن وأنت بكامل قوتك وعافيتك فمتى تفر ؟ أتفر بعد أن يشيب شعرك وتضعف قوتك وتتراكم على جسدك الأمراض والعلل ؟ أتفر إلى الله بعد أن تشخص عينك وتشل أطرافك وتصبح جثة هامدة ؟ كم من مفرط فرط وفرط حتى فجاءه الموت فقام يصرخ بصوت ملؤه الندم: {... رَبِّ ارْجِعُونِلَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَفَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَفَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَوَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَتَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} (10) .

( [1] ) مريم:71-72. (2) الذاريات:50. (3) فاطر:6. (4) الحديد:20. (5) الملك:15. (6) العنكبوت:69. (7) النحل:128.

(8) البخاري،كتاب التوحيد،ح6856. (9) الذاريات:50-51.المؤمنون:99-104.

إن من أعظم المهمات التي بعث لأجلها النبي صلى الله عليه وسلم تزكية النفوس وتطهيرها، كما قال الله عز وجل: { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ } [الجمعة:2] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت