(ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه )
[حديث شريف ]
يمكن أن تكون قضية الهجرة التي تعني بأبسط مدلولاتها الانتقال من مكان أو هجر مكان إلى آخر لأكثر من سبب، قديمة قدم الإنسان على الأرض، وملازمة لحركة الحياة والأحياء على الرغم من قساوة الظروف ووعورة المسالك وعدم توفر الوسائل، وما يمكن أن يعاني المهاجر من ترك مألوفه ومعروفه، لأن الإنسان مدفوع بتحقيق هدفه والبحث عن وسائل سعادته وتأمين مصيره، ودوافع الهجرة كثيرة وكثيرة جدًا لكن تشرف التحركات بشرف الغايات وشرعية الوسائل، لذلك تأتي الهجرة إلى الله، من عزائم الأمور، سواءً أكانت نفسية، وذلك بالانخلاع من كل العادات والعبادات والتصورات غير الإسلامية، أم كانت هجرة عملية حركية بالانتقال من موقع تبين أنه عقيم في مجال العطاء الإسلامي، إلى موقع أكثر خصبًا ونماءًا أو كانت ابتداءً في الخروج لنشر الدعوة واستنقاذ البشرية من شقوتها بإبلاغها دعوة الله والتمكين لدينه في مواقع أخرى؛ تحقيقًا لمسؤولية المسلم في عملية البلاغ المبين، وثمرة لعالمية الدعوة: قال تعالى:
(وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون ) ( الأنعام:92) .
الرؤية الإسلامية لقضية الهجرة
والقضية التي نريد لها أن تكون واضحة ابتداءً: أن الهجرة تعني أول ما تعني معرفة الحق، ومن ثم الارتحال إليه، والالتزام به والثبات عليه، وهي طريق الرسل والذين يسير ون على دربهم، وثمرة الإيمان الطبيعية، التي تقتضي التحرك به، وموقع من مواقع الصراع الدائب بين المؤمنين بقيادة الرسل والكافرين بمناهجهم التي يقف على رأس كل منها شيطان، ونسارع هنا إلى التأكيد: بأن الهجرة في الإسلام حركة إيجابية جهادية تمثل قمة الفاعلية والحركة على أرض المعركة الدائرة بين الإسلام الذي موطنه الدنيا كلها والكفر، ولا تندّ عن ذ لك الهجرة للقيام بتكاليف البلاغ المبين كمسؤولية منوطة بالمسلم كما قدمنا، وليست الهجرة بالمفهوم الإسلامي حركة سلبية انسحابية من المعركة هروبية من الموقع، يؤثر صاحبها السلامة ويختار طريق الدنيا، فإن حصل ذلك لفترة ضعف، أو سقوط أو عجز رؤية، أو غلبة دنيا، فهجرته إلى ما هاجر إليه وليست الهجرة الإسلامية، فالمهاجر في نظر الإسلام لا يزال في ساحة المعركة، وليس خارجًا منها، ذلك أن المعركة قد تبلغ مرحلة معينة تقل معها الفاعلية على هذا الثغر أو تكاد تنعدم فلا بد والحالة هذه من اختيار موقع آخر فاعل أو أكثر فاعلية، لا بد من وجود الرؤية والقدرة على التحرك لقتال، أو التحيز إلى فئة، إنه تغيير الموقع وليس الانسحاب من المعركة على كل حال، وليس تولية الدبر، والتولي عن المواجهة الموُقع في غضب الله قال تعالى:
(يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار. ومن يولهم يومئذٍ دبرهُ إلاّ متحرفًا لقتالٍ أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) (الأنفال: 16 ـ 17) .
وليس هذا وحسب، وإنما قد تنتهي المعركة إلى مصلحة الإسلام والمسلمين؛ فلا يعني ذلك الانكفاء والأنانية والاسترخاء، وعدم التطلع إلى مواقع أخرى لمَّا تحرر بعد، ولما تصل إليها دعوة الله بعد، والمسلم مسؤول عنها ( حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) فلا بد من الانتقال والهجرة إليها وحمل دين الله إلى الإنسانية الحائرة، ولعلنا نلمح ذلك في سبب نزول قوله تعالى: (وأنفقوا في سبيل اللهِ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين )
(البقرة: 195) ذلك أن الله اعتبر القعود عن نشر الدعوة والهجرة إلى ذلك رغم الانتصار في الموقع الحالي موقع في التهلكة. أخر ج أبو داود والترمذي وصححه وابن حبان والحاكم وغيرهم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرًا، إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعزَّ الإسلام فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها.. فأنزل الله يرد علينا ما قلنا.. فكانت التهلكة: الإقامة على الأموال وترك الجهاد.
(1) - سلسلة كتب الأمة » نظرات في مسيرة العمل الإسلامي » [المحرم1404هـ ـ تشرين الأول (أكتوبر) 1983م]