فهرس الكتاب

الصفحة 962 من 1664

4ـ أخرج البخاري (رقم 3006) ومسلم (رقم: 1341) عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بقول:"لا يَخْلُونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ، ولا تُسافِر امرأة إلا مع ذي مَحْرم"فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجتْ حَاجَّة وإني اكتُتبتُ في غزوة كذا وكذا . قال: انطلق فحُجّ مع امرأتك". قال أبو العباس القرطبي في:"المفهم" (3/453) :"قوله: صلى الله عليه وسلم للرجل:"انطلق فحج مع امرأتك"هو فَسْخ لما كان التزم من المُضِيّ للجهاد . ويدل على تأكُّد أمر صيانة النساء في الأسفار"أ.هـ. المراد ."

فضيلة الشيخ / عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد .

فإن الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان ، وتحقيقه في واقعنا هو المقياس الشرعي السديد تجاه الناس بشتى أنواعهم ، والحب في الله والبغض في الله هو الحصن الحصين لعقائد المسلمين وأخلاقهم أمام تيارات التذويب والمسخ كزمالة الأديان والنظام العالمي الجديد والعولمة ونحوها .

ومسائل هذا الموضوع كثيرة ومتعددة ، وقد عُني العلماء قديمًا وحديثًا بتحريرها وتقريرها ، لكن ثمت مسائل مهمة - في نظري - تحتاج إلى مزيد بحث وتحقيق وإظهار .

منها: أن الحبّ في الله تعالى والبغض في الله متفرع عن حب الله تعالى ، فهو من لوازمه ومقتضياته ، فلا يمكن أن يتحقق هذا الأصل إلا بتحقيق عبادة الله تعالى وحبّه ، فكلما ازداد الشخص عبادة لله تعالى وحده ازداد تحقيقًا للحبّ في الله ، والبغض في الله ، كما هو ظاهر في قصة الخليل إبراهيم عليه السلام ، وهو أظهر في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

ومنها: أن الحبّ في الله والبغض في الله له لوازم ومقتضيات ، فلازم الحب في الله: الولاء ، ولازم البغض في الله: البراء ، فالحب والبغض أمر باطن في القلب ، والولاء والبراء أمر ظاهر كالنصح للمسلمين ونصرتهم والذب عنهم ومواساتهم ، والهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، وترك التشبه بالكفار ، ومخالفتهم ، وعدم الركون والثقة بهم ، فإذا انتفى اللازم - الولاء والبراء - انتفى الملزوم - الحب والبغض - هذا التلازم بين الحب والبغض ، وبين الولاء والبراء يتسق مع التلازم بين الظاهر والباطن في الإيمان .

ومنها: أن الحب في الله والبغض في الله من أعظم أسباب إظهار دين الإسلام ، وكف أذى المشركين ، بل إن تحقيقه سبب في إسلام الكافرين ، وهاك بعض الأحداث التي تقرر ذلك ، فقد ساق شيخ الإسلام ابن تيمية جملة مما ذكره الواقدي في معازيه وغيره .

فمن ذلك أن اليهود خافت وذلت من يوم قتل رئيسهم كعب بن الأشراف على يد محمد بن مسلمة - رضي الله عنه - 1

ويقول شيخ الإسلام: ( وكان عدد من المشركين يكفون عن أشياء مما يؤذي المسلمين خشية هجاء حسان بن ثابت ، حتى إن كعب بن الأشراف لما ذهب إلى مكة كان كلما نزل عند أهل بيت هجاهم حسان بقصيدة ، فيخرجونه من عندهم ، حتى لم يبق بمكة من يؤويه ) 2

ولما قتل مُحيَّصة - رضي الله عنه - ذلك اليهودي فزجره أخوه حويصة ، قال مُحيَّصة: ( والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربتُ عنقك فقال حويصة: والله إن دينًا بلغ منك هذا لعَجَبُ ن ثم أسلم حويصة ) 3

ولعل هذه الرسالة المختصرة تحقق شيئًا من هذا الأصل الكبير عمومًا ، وتظهر جملة من المسائل المذكورة خصوصًا ، وبالله التوفيق .

المبحث الأول

أهمية الموضوع

قال المصطفى- صلى الله عليه وسلم-: (( أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله ) )وفي حديث آخر قال- صلى الله عليه وسلم-: (( من أحق في الله وأبغض في الله وأعطى لله ومنع لله ؛ فقد استكمل الإيمان ) )4 إذًا الحب في الله والبغض في الله ليس إيمانًا فحسب ، بل هو آكد وأوثق عُرى الإيمان ، فحري بنا أن نحرص على هذا الأمر .

كان- صلى الله عليه وسلم- يبايع على هذا الأمر العظيم ، فقد جاء عن جرير بن عبد الله البجلي- رضي الله عنه- أنه قال: أتيت النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو يبايع فقلت: يا رسول الله ، أبسط يدك حتى أبايعك ، واشترط علىّ وأنت أعلم . فقال: (( أبايعك على أن تعبد الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتُناصح المسلمين ، وتفارق المشركين ) )5 .

هذا هو الشاهد ، فهو- صلى الله عليه وسلم- بايع جرير بن عبد الله على أن يناصح المسلمين وهذا هو الحب في الله ، ويفارق المشركين وهذا هو البغض في الله , تفارق المشركين بقلبك وقالبك . بقلبك بأن تبغضهم وتعاديهم كما سيأتي مفصلًا إن شاء الله ، وتفارقهم بجسدك كما سيأتي الإشارة إلى الهجرة وهي الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام إذا لم يكن الشخص مستطيعًا أن يظهر دينه في بلاد الكفر وكان قادرًا على الهجرة ؛ فإذا اجتمع الأمران تعيّن عليه الهجرة والانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت