الفرار ليس له إلا صورة واحدة ألا وهي الانطلاق بكل ما أوتي الفار من قوة طلبًا للنجاة ، فهل جرب كل واحد منا الفرار ؟ الفرار أمر حتمي لكل واحد منا لأنه أمر رباني أمرنا الله به ، لكن الفرار إلى أين؟ لقد حدد الله لك الوجهة ورسم لك الطريق فقال سبحانه: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} (2) ، نعم إنه الفرار إلى الله ، تفر إلى الله لأن خلفك عدوك إبليس يسعى خلفك جاهدًا بكل ما أوتي من قوة ليجعلك من أصحاب السعير أخبرك بذلك ربك وحبيبك يوم أن قال: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (3) ، ومع الأسف هناك من الناس من عكس طريق سيره فسار باتجاه عدوه ففرح به ذلك العدو واحتضنه فأصبحت ترى شيطانًا في ثوب إنسان؛ لا يدع طريقًا من طرق الفساد إلا سلكه وبلا تردد وليته سلكه وحده لا بل قام يدعو إليه ويحبب الناس فيه ؛ وأمثلة هذا الصنف في حياتنا عديدة فمنهم المنادون بحرية المرأة وإفسادها ومنهم القائمون على القنوات بفحشها وفجورها والقائمة تطول ، فلماذا كانوا كذلك لأنهم ما استجابوا لنداء اللطيف الخبير: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} ، تفر إلى الله لأن خلفك الدنيا بفتنتها وشهواتها وزينتها ؛ فكم من عبد تباطأ في فراره إلى الله والتفت يمنة ويسرة إلى الدنيا فأسرته فشغل عن الفرار إلى الله بعماراته أو شغل عن الفرار إلى الله بأمواله أو شغل عن الفرار إلى الله بزوجته وأولاده أو شغل عن الفرار إلى الله بمنصبه وجاهه فهلك مع الهالكين كم من عبد جعل فراره إلى الدنيا فهو يفر إليها بكل ما أوتي من قوة فمنهم من يسير بسيارته مسرعًا حتى لا تفوته مباراة في كرة القدم حاسمة،ومنهم من يفر بكل قوته حتى لا تفوته صفقة رابحة،ولمثل هؤلاء يقول العليم الحكيم: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} (4) ، وقد يقول قائل أيعني الفرار إلى الله تعطيل الحياة الدنيا؟ فنقول له: لا.ولكن الله يوم أن أمرنا بالسعي لطلب الرزق لم يأمرنا بالفرار وإنما أمرنا بالمشي يقول الرزاق الكريم: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (5) ، والمشي له صور عدة فالصغير يمشي والكبير يمشي والشاب يمشي والعجوز يمشي والمرأة تمشي والرجل يمشي ولكل مشيته فمنهم من يمشي مسرعًا ومنهم من يمشي على مهل، فهل أدرك العباد الفرق بين المشي والفرار ، فالمشي له صورٌ عدة ولكن الفرار ليس له إلا صورة واحدة ، الماشي يمشي وقد يشغل فكره بأمور عدة أو بما يراه أثناء مشيه،ولكن الفارَّ لا تسيطر على عقله إلا فكرة واحدة وهي النجاة،فلمن انشغلوا بدنياهم أقول لهم فروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين،ومن فضل الكريم الرحيم علينا معاشر المؤمنين أنه لم يجعل من عملية الفرار إليه عملية صعبة ولم يجعلها في طريق وعرة بل مهد لنا سبحانه وتعالى بفضله وكرمه طريق الفرار إليه ويسر لنا سبله فأنت تستطيع أن تفر إلى الله على كل حال من أحوالك وأنت سائر وأنت واقف وأنت قاعد وأنت نائم وأنت في بيتك وأنت في حيك وأنت في عملك أو سوقك تستطيع الفرار إلى الله؛ فأنت بخروجك للكسب لتعف نفسك وأهلك عن الحرام تفر إلى الله ، بقيامك للصلاة تفر إلى الله ، بذكرك لله تفر إلى الله ، بقراءتك للقرآن تفر إلى الله، بالصدقة تفر إلى الله، بإهداء كتب الخير وأشرطة الخير للمسلمين تفر إلى الله،بصلتك لرحمك تفر إلى الله ، بأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر تفر إلى الله ، بتربيتك لأولادك وبنياتك على هدى الشريعة تفر إلى الله