إخوة العقيدة، وأول هذه الإشارات مع حدث الساعة وحديثها، الحدث الذي غير مجرى التأريخ، الحدث الذي يحمل في طياته معاني الشجاعة والتضحية والإباء، والصبر والنصر والفداء، والتوكل والقوة والإخاء، والاعتزاز بالله وحده مهما بلغ كيد الأعداء، إنه حدث الهجرة النبوية الذي جعله الله سبحانه طريقا للنصر والعزة، ورفع راية الإسلام، وتشييد دولته، وإقامة صرح حضارته، فما كان لنور الإسلام أن يشع في جميع أرجاء المعمورة لو بقي حبيسا في مهده، ولله الحكمة البالغة في شرعه وكونه وخلقه.
إن في هذا الحدث العظيم من الآيات البينات والآثار النيرات والدروس والعبر البالغات ما لو استلهمته أمة الإسلام اليوم وعملت على ضوئه وهي تعيش على مفترق الطرق لتحقق لها عزها وقوتها ومكانتها وهيبتها، ولعلمت علم اليقين أنه لا حل لمشكلاتها ولا صلاح لأحوالها إلا بالتمسك بإسلامها والتزامها بعقيدتها وإيمانها، فوَالذي بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا ما قامت الدنيا إلا بقيام الدين، ولا نال المسلمون العزة والكرامة والنصر والتمكين إلا لما خضعوا لرب العالمين، وهيهات أن يحل أمن ورخاء وسلام إلا باتباع نهج الأنبياء والمرسلين. إذا تحقق ذلك أيها المسلمون، وتذكرت الأمة هذه الحقائق الناصعة وعملت على تحقيقها في واقع حياتها كانت هي السلاح الفاعل الذي تقاتل به والدرع الحصين الذي تتقي به في وجه الهجمات الكاسحة والصراع العالمي العنيف، فالقوة لله جميعا، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
أمة التوحيد والوحدة، لقد أكدت دروس الهجرة النبوية أن عزة الأمة تكمن في تحقيق كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة عليها، وأن أي تفريط في أمر العقيدة أو تقصير في أخوة الدين مآله ضعف الأفراد وتفكك المجتمع وهزيمة الأمة، وإن المتأمل في هزائم الأمم وانتكاسات الشعوب عبر التأريخ يجد أن مردّ ذلك إلى التفريط في أمر العقيدة والتساهل في جانب الثوابت المعنوية مهما تقدمت الوسائل المادية، وقوة الإيمان تفعل الأعاجيب وتجعل المؤمن صادقا في الثقة بالله والاطمئنان إليه والاتكال عليه، لا سيما في الشدائد، ينظر أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى مواضع أقدام المشركين حول الغار فيقول: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فيجيبه جواب الواثق بنصر الله: (( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) ) (1) [1] . الله أكبر، ما أعظم لطف الله بعباده ونصره لأوليائه، وفي هذا درس بليغ لدعاة الحق وأهل الإصلاح في الأمة أنه مهما احلولكت الظلمات فوعد الله آت لا محالة، حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا [يوسف:110] .
أمة الإسلام، ودرس آخر من دروس الهجرة النبوية يتجلى في أن عقيدة التوحيد هي الرابطة التي تتضاءل أمامها الانتماءات القومية والتمايزات القبلية والعلاقات الحزبية، واستحقاق الأمة للتبجيل والتكريم مدين بولائها لعقيدتها وارتباطها بمبادئها، يقال ذلك ـ أيها المسلمون ـ وفي الأمة في أعقاب الزمن منهزمون كُثر أمام تيارات إلحادية وافدة ومبادئ عصرية زائفة ترفع شعارات مصطنعة وتطلق نداءات خادعة، لم يجنِ أهلها من ورائها إلا الذلّ والصغار، والمهانة والتبار، والشقاء والبوار، فأهواء في الاعتقاد، ومذاهب في السياسة، ومشارب في الاجتماع والاقتصاد، كانت نتيجتها التخلف المهين والتمزق المشين، وفي خضم هذا الواقع المزري يحق لنا أن نتساءل بحرقة وأسى: أين دروس الهجرة في التوحيد والوحدة؟! أين أخوة المهاجرين والأنصار مِن شعارات حقوق الإنسان المعاصرة ومدنيته الزائفة؟! فقولوا لي بربكم، أي نظام راعى حقوق الإنسان وكرمه أحسن تكريم وكفل حقوقه كهذا الدين القويم؟! فلتصخ منظمات حقوق الإنسان العالمية إلى هذه الحقائق، وتطَّرِح الشائعات المغرضة عن الإسلام وأهل الإسلام وبلاد الإسلام إن أرادت توخي الصدق والموضوعية.
إن هذه الإلماحة إلى درس الهجرة في التضحية والبذل والفداء ومراعاة كرامة الإنسان والحفاظ على حريته وحقوقه يجر ـ يا رعاكم الله ـ إلى تذكر أحوال إخواننا في العقيدة في بقاع شتى من العالم، حيث حلت بهم مصائب وبلايا، ونكبات ورزايا، سائلوا أرض النبوات ومهد الحضارات ومنطلق الرسالات وبلاد المعجزات فلسطين المجاهدة: ماذا تعاني من صلفٍ يهوديٍّ سافر ومن حقد صهيونيٍّ أرعن؟! سائلوا الشيشان وكشمير وغيرها عن الأوضاع المأساوية علَّ دروس الهجرة النبوية تحرِّك نخوة وتشحذ همة وتستنهض عزما، وما ذلك على الله بعزيز.