السادسة لا خلاف أن أول السابقين من المهاجرين أبو بكر الصدّيق . وقال ابن العربي: السبق يكون بثلاثة أشياء: الصفة وهو الإيمان ، والزمان ، والمكان . وأفضل هذه الوجوه سبق الصفات؛ والدلِيل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: « نحن الآخرون الأوّلون بَيْد أنهم أُوتوا الكتاب مِن قَبْلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فاليهود غدًا والنصارى بعد غد » فأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن من سبقنا من الأُمم بالزمان سبقناهم بالإيمان والامتثال لأمر الله تعالى والانقياد إليه ، والإستسلام لأمره والرضا بتكليفه والاحتمال لوظائفه ، لا نعترض عليه ولا نختار معه ، ولا نبدّل بالرأي شريعته كما فعل أهل الكتاب؛ وذلك بتوفيق الله لما قضاه ، وبتيسيره لما يرضاه؛ وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
السابعة قال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: تضمّنت هذه الآية تفضيل السابقين إلى كل منقبة من مناقب الشريعة ، في علم أو دين أو شجاعة أو غير ذلك ، من العطاء في المال والرتبة في الإكرام . وفي هذه المسألة خلاف بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما . واختلف العلماء في تفضيل السابقين بالعطاء على غيرهم؛ فَرُوي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان لا يفضل بين الناس في العطاء بعضَهم على بعض بحسب السابقة .
وكان عمر يقول له: أتجعل ذا السابقة كمن لا سابقة له؟ فقال أبو بكر: إنما عملوا لله وأجرهم عليه . وكان عمر يفضل في خلافته؛ ثم قال عند وفاته: لئن عشت إلى غد لألحقنّ أسفل الناس بأعلاهم؛ فمات من ليلته . والخلافة إلى يومنا هذا على هذا الخلاف .
قوله تعالى: { والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ } فيه مسألتان:
الأُولى قرأ عمر «والأنصارُ» رفعا . «الذين» بإسقاط الواو نعتا للأنصار؛ فراجَعه زيد بن ثابت ، فسأل عُمر أُبَيّ بن كعب فصدّق زيدًا؛ فرجع إليه عمر وقال: ما كنا نرى إلا أنا رفعنا رفعة لا ينالها معنا أحد . فقال أُبَيّ: إني أجد مصداق ذلك في كتاب الله في أول سورة الجمعة: { وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ } [ الجمعة: 3 ] وفي سورة الحشر: { والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذين سَبَقُونَا بالإيمان } [ الحشر: 10 ] . وفي سورة الأنفال بقوله: { والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فأولئك مِنكُمْ } [ الأنفال: 75 ] . فثبتت القراءة بالواو . وبيّن تعالى بقوله: { بِإِحْسَانٍ } ما يتبعون فيه من أفعالهم وأقوالهم ، لا فيما صدر عنهم من الهفوات والزلات؛ إذ لم يكونوا معصومين رضي الله عنهم .
الثانية واختلف العلماء في التابعين ومراتبهم؛ فقال الخطيب الحافظ: التابِعيّ من صحب الصحابي؛ ويقال للواحد منهم: تابع وتابعيّ . وكلام الحاكم أبي عبد الله وغيره مُشْعر بأنه يكفي فيه أن يسمع من الصحابي أو يلقاه وإن لم توجد الصحبة العرفية . وقد قيل: إن اسم التابعين ينطلق على من أسلم بعد الحُدَيْبِيَة؛ كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ومن داناهم من مُسْلمة الفتح؛ لما ثبت أن عبد الرحمن بن عوف شكا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لخالد:"دَعُوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم كل يوم مثل أُحُد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه"ومن العجب عَدّ الحاكم أبو عبد الله النعمانَ وسويدًا ابني مُقَرِّن المزنيّ في التابعين عند ما ذكر الإخوة من التابعين ، وهما صحابيان معروفان مذكوران في الصحابة ، وقد شهدا الخندق كما تقدم . والله أعلم . وأكبر التابعين الفقهاء السبعة من أهل المدينة ، وهم سعيد بن المسيّب ، والقاسم بن محمد؛ وعروة بن الزبير ، وخارجة بن زيد ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وعبد الله بن عتبة بن مسعود ، وسليمان بن يسار . وقد نظمهم بعض الأجلة في بيت واحد فقال:
فخذهم عبيدُ اللَّه عروةُ قاسمٌ ... سعيدٌ أبو بكر سليمانُ خارجهْ