ولا يتمكن العبد من النجاة من ذلك إلا بالفرار إلى الله ـ تعالى ـ والرجوع إلى ربه والإنابة إليه، والذل والخضوع والانكسار بين يديه، والاستغفار والتوبة، والاعتماد عليه ـ تعالى ـ في الأمور كلها؛ فهو ربه ومليكه، وخالقه ورازقه، يعطي ويمنع وهو على كل شيء قدير، قلبه بين يديه يقلِّبه كيف يشاء، وهذا هو الفرار إليه الذي طلبه الله منا بقوله ـ تعالى ـ: {فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ إنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الذاريات: 50] فهو ـ سبحانه ـ الملاذ والملجأ وهو المغيث، ولا ملجأ منه ـ تعالى ـ إلاَّ إليه. يقول ابن جرير: «فاهربوا أيها الناس من عقاب الله إلى رحمته بالإيمان به، واتِّباع أمره، والعمل بطاعته» .
والفرار لا يكون إلا إلى الله ـ تعالى ـ ولا يكون إلى أحد من خلقه؛ فإن الله ـ تعالى ـ هو رب العالمين وهو الفعال لما يريد، والخلق بأجمعهم لا يقدرون على شيء إلا ما شاءه الله ـ تعالى ـ: وَمَا تَشَاءُونَ إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير: 29] ، ومن فرَّ إلى غيره لم يمتنع منه، حتى يفر الإنسان من نفسه التي بين جنبيه إلى ربه خالقه ومولاه؛ فراحة الإنسان وأنسه وسعادته وأمنه واطمئنانه إنما يكون بالفرار مما سوى الله إلى الله تعالى.
وقد عبر القرآن عن الرجوع إلى الله ـ تعالى ـ بلفظ الفرار لبيان الحزم والجدية والفورية التي ينبغي أن يتعامل بها في مثل هذا الأمر؛ فهو ليس أمرًا على التراخي؛ فشأن المخالفة والمشاققة لله ولرسوله أمر جلل مخيف حقه أن يُفَرَّ منه ويُقلَع عنه بأقصى ما يمكن.
والتعبير بلفظ الفرار يدل على شدة القيود التي تكبل الإنسان، أو على شدة المغريات التي تأسره حتى يحتاج إلى الفرار؛ وإلا فلا يستطيع أن يخرج من دائرة تأثيرها، كما أن التعبير بالفرار يفصح عن سرعة الإهلاك والعذاب التي تنتظر المتواني أو المتباطئ؛ فالأمر لا يحتمل الإبطاء في الرجوع إلى الله ـ تعالى ـ فالفرارَ الفرارَ إليه يا عباد الله؛ فإنه لا مهرب منه إلا إليه.
والإنسان في غالب شأنه لا يفر إلا مما يخاف منه أشد الخوف ولا قدرة له على دفع ضره وأذاه، ولا يفر إلى شيء إلا إذا كان يجد عنده الأمن والطمأنينة؛ فكان في هذا التعبير القرآني الموجز أصرح الدلالة على أن الشقاء والبؤس والتعاسة والخسارة الكاملة التي لا ربح بعدها، في البعد عن الله والفرار منه إلى غيره، كما أن الخير والفلاح والربح المضمون الذي لا تعقبه خسارة، في القرب إلى الله والفرار إليه.
والفرار إلى الله كما يكون بالعمل بطاعته والتوبة إليه، يكون أيضًا بالهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، ومن دار البدعة أو المعصية إلى دار السنة أو الطاعة، ومن أعدائه إلى أوليائه؛ فهو متضمن للولاء والبراء والثبات على الدين؛ فالأول فرار بالقلب، والثاني فرار بالجسد، والثالث فرار بالقلب والجسد معًا، وكل نوع من الفرار مطلوب من المرء كلٌّ على حسب حاله.
والمسلم في حاجة دائمة إلى الفرار إلى الله ـ تعالى ـ والاستغفار والتوبة إليه في كل آن وحين؛ فبالفرار إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ والاستغفار والتوبة يُستَنزَل الغيث، ويستجلَب المال والولد، ويشتد الساعد وتزيد القوة التي يتمكن بها المرء من فعل ما يريد. قال الله ـ تعالى ـ: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 12] ، وقال ـ تعالى ـ: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإن تَوَلَّوْا فَإنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 3] وقال ـ تعالى ـ: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: 52] .
والفرار إلى الله ـ تعالى ـ ليس عملًا قلبيًا أو وجدانيًا فحسب، ثم ينغلق المرء بعدها على نفسه فلا يكون لذلك الفرار أثر في الواقع، ولكنَّ الفرار مبتداه من القلب، ثم ينساح على الجوارح كلها فيغمرها فيه، حتى تكون تابعة له تعمل ما يأمرها به، ولا تمتنع منه، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (2) . وكما قال الصحابي الجليل أبو هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ: «القلب ملك وله جنود، فإذا صلح الملك صلحت جنوده، وإذا فسد الملك فسدت جنوده» (3) . وجنود القلب هي أعضاء البدن، فإذا كان الفرار انغلاقًا بالنفس عما حولها بحيث لا يؤثر فيها، فهو انسحاب من الحياة وهروب غير محمود، وهؤلاء هم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما فروا إلى الله غيَّروا وجه الأرض حتى عمَّها التوحيد والعدل بعد أن غلب عليها الشرك والظلم.