ولا يكون الفرار انسحابًا محمودًا من الحياة إلا في آخر الزمان، عند غلبة الجهل وفساد الناس، حين لا يجدي العمل والدعوة، فيكون الفرار حينئذ حفاظًا على الدين ورعاية له. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» (1) . قال ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ: «والخبر دال على فضيلة العزلة لمن خاف على دينه» (2) .
وقد يقع في ذهن البعض أو الكثيرين أن الفرار إلى الله ـ تعالى ـ والاستغفار والتوبة لا تكون إلا من العاصي أو عند الوقوع في المعصية، وهذا وَهْمٌ غير صحيح، بل العبد محتاج إلى ذلك ولو كان على غير معصية، بل يحتاج إليها مع الطاعة في كل تقلباتها: قبل الطاعة وفي أثناء الطاعة وبعد الانتهاء منها. قال الله ـ تعالى ـ لعباده وهم في أثناء طاعة من أجلِّ الطاعات، وهي فريضة الحج: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة:199] . فأمرهم بالاستغفار وهم يؤدون النُّسُك، كما أمرهم ـ تعالى ـ بالاستغفار بعدما أمرهم بكثير من الأعمال الصالحة والواجبات، فقال ـ تعالى ـ: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المزمل:20] ، وقد نادى الله ـ تعالى ـ المؤمنين باسم الإيمان وأمرهم بالتوبة فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم:8] وقال ـ تعالى ـ: {وَتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31] ، وهذا رسولنا الكريم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول لأصحابه: «يا أيها الناس! توبوا إلى الله؛ فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة» (3) ، ويقول: «واللهِ! إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (4) .
لقد كان الفرار إلى الله ـ تعالى ـ هو مصدر القوة والعزة والمنعة التي كان يعيشها المسلمون الأولون، وهو الذي كان سببًا في انتصارهم وظهورهم على من ناوأهم ممن خالفهم وعاداهم؛ حتى إن أحدهم ليسرع الفرار إلى الله ولو كان في ذلك موته؛ فعندما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة بدر للمسلمين محرضًا لهم على القتال: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض! قال عُمير بن الحُمام الأنصاري: يا رسول الله! جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم! قال: بَخٍ بَخٍ! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما يحملك على قولك بَخٍ بَخٍ؟ قال: لا، والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قُتِل» (5) ، وتقدم ـ رضي الله عنه ـ للقتال مسرعًا وهو يرتجز ويقول:
ركضًا إلى الله بغير زادِ
إلا التقى وعمل المعادِ والصبر في الله على الجهادِ
وكل زاد عرضة النفادِ غير التقى والبر والرشادِ
والركض إلى الله ـ تعالى ـ هو الفرار إليه.
ثم تغيَّر الحال وضعف المسلمون، وصار كثير منهم يفرون إلى عدو الله وعدو المسلمين، مسارعةً فيهم والتماسًا للقوة والعزة منهم، حتى إن منهم من ينصر الكفار على المسلمين من أجل ذلك، وقد نهى الله ـ تعالى ـ المؤمنين عن هذا المسلك فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة:1] وبيَّن حقيقة من يسلك هذا السبيل فقال: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [المائدة:52] ، وقال: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء:139] .
فلا عزَّ لنا ولا نصر ولا كرامة، إلا أن يكون الفرار إلى الله ـ تعالى ـ وحده لا شريك له، دون ما سواه من خلقه أجمعين.
اللهم اجعلنا ممن يفرون إليك!
(1) أخرجه الترمذي، كتاب التفسير، رقم (3257) .
(2) تفسير الطبري (1/261) .