فقرة 2 ـ وأما مفهوم الدولة الحديث فقد ظهر في أوربا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر بعد أن تحطمت السلطة البابوية. وانهار النظام الإقطاعي، أو مبدأ الزعامات الإقطاعية الذي كان يقوم على الجمع بين ملكية الأرض وبعض الامتيازات كقيادة الجيش أو جمع الضرائب مثلًا، دون أن يكون للملك سلطة حقيقية إلا على أرضه التي اقتطعها لنفسه. وقد أدى تجمع سكان الإقطاعات إلى ما يدعى بالأمة كالأمة الإيطالية والأمة الفرنسية، ثم تولد عن ذلك ما يعرف بالدولة بوجود سلطة سياسيةفي المجتمع، لأن السلطة السياسية هي الصورة الحديثة للجماعة السياسية.
وهكذا توالى ظهور الدول الحديثة ذات القومية الواحدة، وتوطدت أركانها الاقتصادية، كما حدث في إنجلترا وفرنسا وأسبانيا، والبرتغال والسويد والدانمرك والنرويج، والمجر وبولندة وروسيا، وأصبحت القاعدة أن تتمتع الدول بالسيادة ولا تخضع لسلطة عليا أخرى.
(1) سيرة ابن هشام: 590/1.
(2) أحكام القانون الدولي في الشريعة الإسلامية للدكتور حامد سلطان: ص 157.
وتحددت فكرة العائلة الدولية منذ مؤتمر وستفاليا سنة (1648) م، وكانت مقصورة في أول الأمر على دول غرب أوربا، ثم انضمت إليها سائر الدول المسيحية، غير الأوربية، ثم اتسعت في سنة 1856 م فشملت تركيا الدولة الإسلامية ودولًا أخرى غير مسيحية كاليابان والصين (1) .
ثانيًا ـ التمييز بين مفهومي دار الإسلام والدولة الإسلامية:
3 ـ على الرغم مما كان قائمًا من وجود التلازم بين مفهومي دار الإسلام والدولة الإسلامية، فإن دار الإسلام تتميز بارتكازها على أساس العنصر المادي (أي الأرض أو الاقليم) (2) وأما الدولة الإسلامية فتتميز بما لها من صفة السيادة (أو الاستقلال) والشخصية المعنوية ذات الأهلية والذمة المالية المستقلة عن ذمة أشخاص رعاياها، فلها مالية مستقلة عن أموالهم تتمثل في بيت المال (3) . وكانت الدولة الإسلامية مستقلة لا تخضع لأي سلطة أخرى، كما كانت مستقلة
(1) مبادئ القانون الدولي العام للدكتور حافظ غانم: ص 46 ومابعدها، النظم السياسية المرجع السابق: ص 23 وما بعدها، و 37.
(2) يتضح ذلك من مفهوم دار الإسلام: وهي كما قال أبو منصور البغدادي: كل دار ظهرت فيه دعوة الإسلام من أهله بلا خفير ولا مجير ولا بذل جزية، ونفذ فيها حكم المسلمين على أهل الذمة إن كان فيهم ذمي ولم يقهر أهل البدعة فيها أهل السنة (ر: كتاب أصول الدين لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي المتوفى سنة 429هـ: ص 270، ور أيضًا: دار الإسلام ودار الحرب، بحث المؤلف) .
(3) ر: المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي للأستاذ مصطفى الزرقاء: ف 187.
عن أشخاص الحكام فيها، وكان يعد الحاكم بمثابة أمين على السلطة ونائبًا عن الأمة (1) . وهذا هو المعنى الذي يرمز إليه فقهاء القانون الوضعي القائلون بأن الدولة توجد حينما تجد السلطة السياسية سندها لا في إنسان، ولكن في شخص معنوي مجرد له طابع الدوام والاستقرار والاستقلال عن أشخاص الحكام أنفسهم (2) .
ثالثًا ـ اتجاه تطور مفهومي دار الإسلام والدولة الحديثة:
4 -المبدأ أو الأصل الفقهي أن تكون دولة الإسلام أو دار الإسلام موحدة السياسة وشاملة لجميع الأقاليم الإسلامية، وذلك لتحقيق غاية الإسلام الأساسية: وهي قوة الإسلام والمسلمين بأن يكونوا جميعًا يدًا واحدة، فيتجهون، اتجاهًا واحدًا، وتسوسهم سياسة واحدة تحقق الخير والمصلحة للجميع. وقد ظلت الخلافة أو الدولة الإسلامية بناء على ذلك موحدة الصف طوال القرون الثلاثة الأولى الهجرية، ثم تجزأت دار الإسلام خلافًا للمبدأ السابق، فقامت دول إقليمية في عهد الدولة العباسية، وانقسمت الخلافة العباسية إلى دويلات: في العراق نفسها،وإيران والشام ومصر وشمالي إفريقية، ثم فيما بعد في الأندلس، فظهرت في أسبانيا الدولة الأموية الثانية ( 317-423 هـ ) ، وقامت الخلافة الفاطمية (297-567 هـ ) ، في المغرب، ثم انتقلت إلى مصر في عهد المعز لدين الله سنة (362 هـ) .
(1) ر: للتفصيل موضوع دار الإسلام ودار الحرب للمؤلف: ف/20.
(2) ثروت بدوي، المرجع السابق: ص 24 وما بعدها. ومن المعلوم الآن أن من خصاص الدولة تمتعها بالشخصية المعنوية أو بالشخصية القانونية، ومن ثم فهي تلزم وتلتزم كالأشخاص الطبيعيين تمامًا، ويترتب على الاعتراف للدولة بالشخصية القانونية، علاوة على أهلية التمتع بالحقوق وتحمل الالتزامات تأكيد الانفصال بين الحاكم والسلطة، أي أن الدولة وحدة قانونية مستقلة عن أشخاص الحكام الذين يمارسون السلطة، وأن هذه الوحدة لها طابع الدوام والاستقرار (ثروت بدوي: ص 52 وما بعدها) وهذه المعاني سبق إليها الإسلام كما تقدم.
وهكذا وجدت في وقت واحد ثلاث خلافات إسلامية: خليفة عباسي في العراق، وخليفة أموي في الأندلس، وخليفة فاطمي في إفريقية وجنوبي إيطاليا وصقلِّية، ثم مصر وقسم كبير من الشام (1) .