وهذا بهلول بن راشد- رحمه الله- من أصحاب مالك بن أنس- رحمه الله- دفع إلى بعض أصحابه دينارين ليشتري به زيتًا ، فذُكر للرجل أن عند نصراني زيتًا أعذب ما يوجد . فانطلق إليه الرجل بالدينارين وأخبر النصراني أنه يريد زيتًا عذبًا لبهلول بن راشد ، فقال النصراني: نتقرب إلى الله تعالى بخدمة بهلول كما تتقربون أنتم إلى الله بخدمته . وأعطاه بالدينارين من الزيت ما يعطى بأربعة دنانير، ثم أقبل الرجل إلى بهلول وأخبره الخبر، فقال بهلول: قضيت حاجةً فاض لي الأخرى ، رُدَّ علىّ الدينارين فقال: لم ؟ قال: تذّكرت قول الله تعالى: (( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) ) (المجادلة: من الآية22) .
فخشيت أن آكل زيت النصراني فأجد له في قلبي مودة فأكون ممن حاد الله ورسوله على عرض من الدنيا يسير 17
وسئل الإمام أحمد عن جار رافضي ؟ فقال: ( لا تسلم عليه ، وإذا سلم لا يُرد عليه ) 18 .
وكان ابن رجاءٍ من الحنابلة، يهجرُ من باع لرافضي كفنه ، أو غسله ، أو حمله 19
ولما كان العزُّ بن عبد السلام في دمشق، وقعَ فيها غلاءٌ فاحش، حتى صارت البساتينُ تباع بالثمن القليل ، فأعطتهُ زوجته ذهبًا وقالت: اشرِ لنا بستانًا نصيّف فيه، فأخذ الذهبَ وباعهُ، وتصدق بثمنه، فقالت: يا سيدي اشتريت لنا ؟ قال: نعم بستانًا في الجنة. إنِّي وجدتُ الناس في شدةٍ، فتصدقتُ بثمنه، فقالت المرأة: جزاك الله خيرًا 20
وهذا محمد بن عبدوس المالكي، من علماءِ المالكية، كان في غايةِ النصحِ والإشفاقِ على المسلمين، ففي أحدَ المرات ذهبَ إلى أحدِ أصحابه وعليه جُبَّةَ صوف، وكانت ليلةً شاتيةً، فقال له: ما نمتُ الليلةَ غمًّا لفقراءِ أمة محمد ، ثم قال: هذه مائةُ دينار ذهبا،ً غلةُ ضيعتي هذا العام، أحذر أن تُمسي وعندك منها شيء وانصرف .
دخل أبو الوليد الطرطوشي- رحمه الله- على الخليفة في مصر، فوجدَ عنده وزيرًا راهبًا نصرانيًا، قد سلّم إليه القيادة، وكان يأخذُ برأيهِ، فقال الطرطوشي:
يا أيها الملك الذي جودهُ يطلبهُ القاصدُ والراغب
إنَّ الذي شرفت من أجله يزعمُ هذا أنَّه كاذب 21
فعندئذٍ اشتد غضبُ الخليفة، فأمرَ بالراهبِ فسُحبَ وضُرب ، وأقبل على الشيخِ فأكرمهُ وعظَّمهُ بعد ما كان قد عزم على إيذائه .
يقول القرافي معلقًا على هذه القصة:"لما استحضر الخليفةُ تكذيب الراهبِ للرسول- صلى الله عليه وسلم- وهو سببُ شرفه ، وشرفَ آبائهِ وأهل الأرض ، بعثهُ ذلك عن البعدِ عن السكونِ إليه والمودة، وأبعدهُ عن منازلِ العزِّ إلى ما يليقُ به من الذلِ والصغار 22"
المبحث الرابع
تنبيهات
علينا أن نفرق بين بغض الكفار ومعاداتهم، وبين البرِ والاقساط ، فبعض الناس يخلطُ بين الأمرين، فيجعل البرَ والعدل مع الكفار محبةً لهم ، وعكسَ بعضُ الناس المسألة، فربما ظلمَ الكافر باسم العداوة له .
فالمتعين أن نبغض الكفار؛ لأنَّ الله أمرنا أن نبغضهم، ولكن لا نظلمهم، فقد قال تعالى: (( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) ) (الممتحنة:8)
وقال تعالى في الحديث القدسي: (( يا عبادي ، إنِّي حرمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا ) ).
يقولُ القرافي في كتابه (الفروق ) لما فرقَ بين مسألةِ بُغضهم، ومراعاةُ البرِ والإقساط قال:"وسرُّ الفرق أنَّ عقد الذمة يوجبُ حقوقًا علينا لهم ؛ لأنَّهم في جوارنا ، فيتعين علينا برُّهم في كل أمرٍ لا يكونُ ظاهرهُ يدل على مودةٍ في القلب، ولا تعظيمِ شعائرِ الكفر، فمتى أدَّى إلى أحد هذينِ، امتنع وصار من قبل ما نهى عنه في الآية"23
بعض الناس يقول: نحن إذا بغضنا النصارى وعاديناهم - مثلًا - هذا يُؤدي إلى نفرتهم عن الإسلام وبغضهم له .
وليس الأمرُ كذلك ، فإنَّ الله تعالى أرحمُ الراحمين ، وهو سُبحانه وتعالى أحكمُ الحاكمين، حيثُ شرعَ بُغض الكفارِ وعداوتهم ، فلا يتوهم أن تحقيق شعيرةِ البراءةِ من الكافرين يؤولُ إلى النفرة عن الإسلام ، بل إنَّ الالتزامَ بهذه الشعيرة - وسائر شعائرِ الإسلام - سببٌ في ظهورِ الإسلام وقبوله، كما وقعَ في القرون المفضلة ،"جاء في سيرةِ ابن هشام أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: (( من ظفر به من رجال يهود فاقتلوه ) )فوثب مُحيصةَ بن مسعودِ على ابن سُنَينَة ، رجلٌ من تجارِ اليهود يبايعهم ، فقلتهُ، وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم ، وكان أسنّ من محيصة ، فلما قتلهُ جعل حويصةُ يضربهُ ويقول: أي عدوَّ الله أقتلته ؟ أما والله لربَّ شحمٍ في بطنك من ماله ، قال محيصة: فقلتُ له: واللهِ لقد أمرني بقتلهِ من لو أمرني بقتلكَ لضربتُ عُنُقك ، قال: فو الله إن كان لأوّل إسلام حويصة ، قال: آلله لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني ؟ قال نعم ، والله لو أمرني بضربِ عنقك لضربتها، قال: والله إنَّ دينًا بلغَ بك هذا لَعجَبٌ ، فأسلم حويصة"24