وهذا الفهم مصيبة ، فالناس يقون في المداهنة والتنازلات في دين الله عز وجل باسم السماحة ، ولا شك أن هذا من التلبيس، فالحب في الله والبغض في الله ينبغي أن يتحقق ، وينبغي أن يكون ظاهرًا ؛ لأن هذا أمر فرضه الله علينا ، ولهذا يقول ابن القيم- رحمه الله- عن مكائد النفس الأمارة بالسوء: ["إنَّ النفس الأمارة بالسوء تُرى صاحبها صورة الصدق وجهاد من خرج عن دينه وأمره في قالب الانتصاب لعداوة الخلق وأذاهم وحربهم ، وأنه يعرض نفسه للبلاء ما لا يطيق ، وأنه يصير غرضًا لسهام الطاعنين وأمثال ذلك من الشبه"] 9
فبعض الناس يقول: لو أحببنا هذا الشخص في الله وأبغضنا فلانًا الكافر أو المرتد لأدّى هذا إلى العداوة وإلى أنه يناصبنا العداء . وهذا من مكائد الشيطان ، فعلى الإنسان أن يحقق ما أمر الله به وهو سبحانه يتولى عباده بحفظه كما قال تعالى: (( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) ) (الزمر:36) وقال عز وجل: (( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) ) (الطلاق:3) .
المبحث الثاني
معنى الحب في الله والبغض في الله
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه ( قاعدة في المحبة ) : ( أصل الموالاة هي المحبة كما أن أصل المعادة البغض ، فإنَّ التحاب يوجب التقارب والاتفاق ، والتباغض يوجب التباعد والاختلاف ) 10
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن- رحمة الله عليهم-: ( أصل الموالاة: الحب ، وأصل المعاداة: البغض ، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة ؛ كالنصرة والأنس والمعاونة وكالجهاد والهجرة ونحو ذلك من الأعمال ) 11 .
وسئل الإمام أحمد- رحمه الله- عن الحب في الله ، فقال: ( ألا تُحبه لطمع في ديناه) 12
فمن خلال أقوال هؤلاء الأئمة ونحوهم يتبيّن لنا أن الحب والبغض أمر قلبي ، فالحب محله القلب ، والبغض محله القلب، لكن لا بد لهذا العمل القلبي أن يظهر على الجوارح ، فلا يأتي شخصٌ يقول: أنا أبغض فلانًا في الله ثم تجد الأنس والانبساط والزيارة والنصرة والتأييد لمن أبغضه في الله ! فأين البغض في الله . ... فلا بد أن يظهر على الجوارح ، فلو أبغضنا مثلًا أعداء الله من النصارى ومن اليهود فهذا البغض محلهُ القلب لكن يظهر على الجوارح من عدم بدئهم بالسلام - مثلًا - كما قال- صلى الله عليه وسلم-: (( لا تبدءوا اليهود والنصارى باليهود بالسلام ) )أو من خلال عدم المشاركة في أعيادهم ؛ لأن هذه المشاركة من التعاون على الإثم والعدوان ، والله يقول: (( وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم ) ) (المائدة: من الآية2)
وكذلك الحب في الله ، فإذا أحببنا عباد الله الصالحين وأحببنا الأنبياء والصحابة وغيرهم من أولياء الله تعالى ، فهذا الحب في القلب لكن له لوازم وله مقتضيات تظهر على اللسان وعلى الجوارح ، فإذا أحببنا أهل الإسلام أفشينا السلام كما قال عليه الصلاة والسلام: (( ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ، أفشوا السلام بينكم ) )كذلك النصيحة فعند ما أرى أخًا لي من أهل الإسلام يُقصر في الصلاة كأن يخل بأركانها أو واجباتها فأنصحه فهذا من مقتضى الحب في الله ، فإذا عُدم ذلك فهذا يدل على ضعف الإيمان، فلو وجدنا رجلًا يقول: أنا أحب المؤمنين لكنه لا يسلّم عليهم ، ولا يزور مريضهم ، ولا يتبع جنائزهم ، ولا ينصح لهم ، ولا يشفق عليهم ؛ فهذا الحب لا شك أن فيه دخن ونقص لا بد أن يتداركه العبد .
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في فتاويه (( إن الله عقد الأخوة والموالاة والمحبة بين المؤمنين كلهم ، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم من يهود ونصارى ومجوس ومشركين وملحدين ومارقين وغيرهم من ثبت في الكتاب والسنة الحكم بكفرهم . وهذا الأصل متفق عليه بين المسلمين . وكل مؤمن موحد تارك لجميع المكفرات الشرعية فإنه تجب محبته وموالاته ونصرته ، وكل من كان بخلاف ذلك فإن يجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة ، فالولاء والبراء تابع للحب والبغض ، والحب والغض هو الأصل ، وأصل الإيمان أن تحبّ في الله أنبياءه وأتباعهم ، وأن تبغض في الله أعداءه وأعداء رسله ) )13
وقد بيّن أهلُ العلم أن المؤمن تحبُ محبته وإن أساء إليك ، والكافر يجب بغضه وعداوته وإن أحسن إليك .
فالمسلم وإن قصّر في حقك وظلمك فيبغض على قدر المظلمة ؛ لكن يبقى حق الإسلام وحق النصرة وحق الولاية .
ماذا يجب علينا تجاه المسلمين من خلطوا عملًا صالحًا وأخر سيئًا ، فهم ليسوا من أولياء الله الصالحين ، وليسوا من أعداء الله الكافرين ؟
الواجب في حقهم أن نحبهم ونواليهم بقد طاعتهم وصلاحهم ، وفي نفس الوقت نبغضهم على قدر معصيتهم وذنبهم .