للمسلمين رجاء أن يسلموا أو يعطوا الجزية بلا مؤونة، وليس له مهادنتهم إذا لم يكن في ذلك نظر) وقال: ( وإن صالحهم الإمام على ما لا يجوز فالطاعة نقضه) وقال الماوردي الشافعي: ( وإذا لم تدع إلى عقد المهادنة ضرورة لم يجز أن يهادنهم) وقال ابن العربي المالكي:"إذا كان المسلمون على عِزَّة , وفي قوة ومنعة , ومقانب عديدة , وعدة شديدة: فلا صلح حتى تُطعن الخيلُ بالقنا, وتُضرب بالبيض الرقاقِ الجماجمُ , وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح لانتفاع يُجلب به, أو ضر يندفع بسببه فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه , وأن يجيبوا إذا دعوا إليه"وقال ابن قدامة الحنبلي: (ومعنى الهدنة , أن يعقد لأهل الحرب عقدا على ترك القتال مدة , بعوض وبغير عوض . وتسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة , وذلك جائز , بدليل قول الله تعالى:"براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين". وقال سبحانه وتعالى:"وإن جنحوا للسلم فاجنح لها"... ولأنه قد يكون بالمسلمين ضعف , فيهادنهم حتى يقوى المسلمون . ولا يجوز ذلك إلا للنظر للمسلمين ; إما أن يكون بهم ضعف عن قتالهم , وإما أن يطمع في إسلامهم بهدنتهم , أو في أدائهم الجزية , والتزامهم أحكام الملة , أو غير ذلك من المصالح) وقال صاحب الهداية الحنفي: (وإذا رأى الإمام أن يصالح أهل الحرب أو فريقا منهم , وكان في ذلك مصلحة للمسلمين فلا بأس به لقوله تعالى:"وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله"ووادع رسول الله عليه الصلاة والسلام أهل مكة عام الحديبية , على أن يضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين , ولأن الموادعة جهادٌ معنى إذا كان خيرا للمسلمين, لأن المقصود وهو دفع الشر حاصل به , ... بخلاف ما إذا لم يكن خيرا ; لأنه ترك الجهاد صورة ومعنى) فقيد ذلك بكونه مصلحة للمسلمين، وجعل الموادعة إذا حققت الخير بمنزلة الجهاد من حيث المعنى، أما إذا كانت الموادعة لم تحقق الخير أو المصلحة كان ذلك تركا للجهاد وهذا لا مصلحة فيه، ومن الشروط الفاسدة التي لا مصلحة فيها للمسلمين مصالحتهم على (إعطائهم شيئا من سلاحنا أو من آلات الحرب) قال ابن قدامة بعدما ذكر هذه وأشياء أخر: (فهذه كلها شروط فاسدة لا يجوز الوفاء بها) ويلحق بإعطاء السلاح أو آلات الحرب الموافقة على الامتناع من استخدام بعض أنواع السلاح في الوقت الذي يمتلك فيه الكفار هذا النوع من السلاح ولا يمتنعون عن استخدامه عند الحاجة إليه مثل ما يعرف في وقتنا الحاضر بأسلحة الدمار الشامل، فإنه لو تمت المصالحة أو المعاهدة على أن يمتنع المسلمون من تملك هذا النوع من الأسلحة أو صناعته, بينما الكفار لا يمتنعون عن تملكه وصناعته كان هذا من الشروط الفاسدة التي لا يحل الموافقة عليها، لأنه شرط يضعف المسلمين مقابل أعدائهم كما أنه يخالف الإعداد المأمور به في قوله تعالى: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، فتكون نتيجة ذلك تجريد المسلمين من الأسلحة القوية التي يتحقق عن طريقها ردع العدو بإذن الله تعالى وتحقيق النصر, ومن شروط الهدنة الصحيحة عدم مخالفة الشريعة أو معارضتها: و تحدث المخالفة بأن تؤسس المعاهدة في أصلها أو في تفاصيلها على ما يخالف الشريعة, وهذا قد يأخذ صورا متعددة فمن ذلك: التعاهد على أن يكون التصالح أبديا لأن التأبيد يتضمن التعاهد على ترك الجهاد في سبيل الله تعالى, وهو من فرائض الدين الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، ولا يمكن أن تقبل الشريعة فكرة أن يتعاقد الناس ويتعاهدون على تجاوز الأحكام الشرعية, فالغاية من الجهاد أمران: الأول: نشر الإسلام في أرض الله, وإزالة تحكم الكفار في خلق الله، وهذا يعرف بجهاد الطلب, والثاني: الدفاع عن دار الإسلام ضد عدوان المعتدين من الكفار والمشركين وأضرابهم وهذا يعرف بجهاد الدفع، وقد أتفق أهل العلم على أنه لا يجوز أن تكون المعاهدة أبدية, وهم بعد اتفاقهم على عدم التأبيد على قولين في توقيت المعاهدة: القول الأول: فالجمهور على أن المعاهدة ينبغي أن توقت بوقت, وأطول وقت يمكن اعتباره للمعاهدة هو عشر سنوات, وهي المدة التي صالح عليها رسول الله المشركين في مكة, وإن كان هناك من أهل العلم من يجعل المدة مرتبطة بالمصلحة فقد تزيد عن ذلك وقد تنقص بشرط ألا تكون أبدية، والقول الثاني: بجواز أن تكون المعاهدة مطلقة أي من غير تحديد فترة زمنية تنتهي عندها المعاهدة, بل تكون مطلقة عن قيد الزمن, وأن من أراد نبذها فله ذلك بعد إعلام الطرف الثاني حتى لا يكون هناك غدر, وبعض أهل العلم يرفضون هذه الصورة من أجل خشيتهم أن يؤدي إطلاق المدة إلى تأبيد المعاهدة, وهذا التعاهد المؤبد يتضمن مفاسد أخرى حيث يستروح المسلمون لتلك المعاهدة المؤبدة فيقصرون في الاستعداد حتى يصلوا إلى مستويات متدنية في القوة والتجهيزات, وحينئذ ينقض عليهم العدو الذين لا يرقبون في مؤمن إلًَّا ولا ذمة, وحينئذ لا ينفع الندم ولا يفيد ما يقوله النادمون وقتها: يا ليتنا ويا ليتنا، ونحن هنا لا نتكلم من قبيل الفروض الذهنية وإنما نتكلم من قبل إخبار من هو بكل شيء عليم