إلَّا بِفِعْلِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ فَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا ثُمَّ تَابَ لَا تَتِمُّ تَوْبَتُهُ إلَّا بِضَمَانِ مَا غَصَبَ فَمَا بَالُك بِالْحَجِّ الَّذِي فِيهِ النِّزَاعُ , وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِنَا لَا تَتِمُّ تَوْبَتُهُ إلَّا بِفِعْلِ الْوَاجِبِ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْغَصْبِ فِي الْآخِرَةِ إلَّا بِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَوْ غَصَبَ وَتَابَ عَنْ فِعْلِ الْغَصْبِ الْمَذْكُورِ وَحَبَسَ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ عِنْدَهُ وَمَنَعَ صَاحِبَهُ عَنْهُ , وَقَدْ عَزَمَ عَلَى رَدِّهِ إلَى صَاحِبِهِ تَصِحُّ تَوْبَتُهُ وَإِنْ بَقِيَتْ ذِمَّتُهُ مَشْغُولَةً بِهِ إلَى أَنْ يَرُدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ فَحِينَئِذٍ تَتِمُّ تَوْبَتُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ , وَكَذَا يُقَالُ فِي مَطْلِ الدَّيْنِ وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ فَقَدْ ظَهَرَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ الْحَجَّ كَالتَّوْبَةِ فِي تَكْفِيرِ الْكَبَائِرِ سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِحُقُوقِ الْعَبْدِ أَوْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِحَقِّ أَحَدٍ أَيْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا وَاجِبٌ آخَرُ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ فَيُكَفِّرُ الْحَجُّ الذَّنْبَ وَيَبْقَى حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْعَبْدِ فِي ذِمَّتِهِ إنْ كَانَ ذَنْبًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حَقُّ أَحَدِهِمَا كَمَا قَرَّرَنَا , وَإِلَّا فَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ الْفَرِيدَ فَإِنَّ بِهِ يَتَّضِحُ الْمَرَامُ وَتَنْدَفِعُ الشُّبْهَةُ وَالْأَوْهَامُ , وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْعَلَّامَةُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى مَنْظُومَتِهِ فِي التَّوْحِيدِ فَقَالَ إنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ * لَا يَتَنَاوَلُ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقَ عِبَادِهِ ; لِأَنَّهَا فِي الذِّمَّةِ لَيْسَتْ ذَنْبًا , وَإِنَّمَا الذَّنْبُ الْمَطْلُ فِيهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إسْقَاطِ صَاحِبِهِ فَاَلَّذِي يَسْقُطُ إثْمُ مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ ا هـ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( قَوْلُهُ أَحَدُهُمَا كَوْنُهُ فِي أَرْضِ عَرَفَاتٍ ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا رُكْنُهُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِهِ بِدُونِهِ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ ( قَوْلُهُ وَأَنْ يَكُونَ مُفْطِرًا ) عَدَّ فِي اللُّبَابِ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْوُقُوفِ الصَّوْمُ لِمَنْ قَوِيَ وَالْفِطْرُ لِلضَّعِيفِ . قَالَ وَقِيلَ يُكْرَهُ قَالَ شَارِحُهُ وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لِئَلَّا يُسِيءَ خُلُقَهُ فَيُوقِعَهُ فِي مَحْذُورٍ أَوْ مَحْظُورٍ , وَكَذَا صَوْمُ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ ; لِأَنَّهُ يُعْجِزُهُ عَنْ أَدَاءِ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَفْطَرَ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ كَمَالِ الْقُوَّةِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ أَحَدًا عَنْ صَوْمِهِ فَلَا وَجْهَ لِكَرَاهَتِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ , وَأَمَّا مَا فِي الْخَانِيَّةِ وَيُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ وَكَذَا صَوْمُ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ ; لِأَنَّهُ يُعْجِزُهُ عَنْ أَدَاءِ أَفْعَالِ الْحَجِّ فَمَبْنِيٌّ عَلَى حُكْمِ الْأَغْلَبِ فَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي الْكَرْمَانِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِلْحَاجِّ الصَّوْمُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ عِنْدَنَا إلَّا إذَا كَانَ يُضْعِفُهُ عَنْ أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ فَحِينَئِذٍ تَرْكُهُ أَوْلَى وَفِي الْفَتْحِ إنْ كَانَ يُضْعِفُهُ عَنْ الْوُقُوفِ وَالدَّعَوَاتِ وَالْمُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ ا هـ . ( قَوْلُهُ وَأَنْ يَقِفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ) عِبَارَةُ مَتْنِ التَّنْوِيرِ وَوَقَفَ الْإِمَامُ عَلَى نَاقَتِهِ قَالَ الْمَدَنِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْإِمَامِ هُنَا بَلْ يَنْبَغِي الرُّكُوبُ لِكُلِّ وَاقِفٍ فِي عَرَفَةَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْإِمَامَ لِأَنَّهُ يُقْتَدَى بِهِ فِي جَمِيعِ الْمَنَاسِكِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم كَانُوا يَقْتَدُونَ بِفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم , وَلِأَنَّهُ مَتَى وَقَفَ رَاكِبًا يَكُونُ قَلْبُهُ فَارِغًا مِنْ جَانِبِ الدَّابَّةِ فَيَكُونُ قَلْبُهُ فِي الدُّعَاءِ أَسْكَنَ وَفِي الْمُنَاجَاةِ أَخْلَصَ , قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْعَفِيفُ ثُمَّ قَالَ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ نَقْلًا عَنْ مَنْسَكِ ابْنِ الْعَجَمِيِّ يُكْرَهُ الْوُقُوفُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ إلَّا فِي حَالِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بَلْ هُوَ الْأَفْضَلُ لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ , وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ وَهَذَا الْمَوْضِعُ مُسْتَثْنًى عَمَّا نَهَى عَنْهُ مِنْ اتِّخَاذِ ظُهُورِ الدَّوَابِّ مَسَاطِبَ يُجْلَسُ عَلَيْهَا ا هـ . وَفِي مَنْسَكِ ابْنِ الْعَجَمِيِّ