فهرس الكتاب

الصفحة 689 من 1664

وهذا اعتقادٌ خاطئ ففنون القتال اليوم لها أشكال متنوعة و لا يعني بالضرورة المواجهة المباشرة، وحروب التحرير في الغالب لا تعتمد على المواجهة المباشرة بقدر ما تعتمد على استنزاف العدو وعدم تمكينه من الاستمتاع بثمرة النصر، ومثال ذلك حال المقاومة في العراق، فلماذا نتغاضى عن هذه النتائج ونصدر حكما عاجلا لم يعتمد على دراسة واستشارة لأهل المعرفة والخبرة بالقتال.

الوجه الثاني:

أن اشتراط القدرة في الجهاد هنا هو حقٌ أُريد به باطل !!!

لأنه ليس كل ضعف يُسقط وجوب جهاد الدفع ، وإنما الذي يسقط الوجوب هو الضعف الشديد الذي يصل إلى حد العجز عن القتال وهذا ما لا يُنكره عاقل كما كان الحال في مكة ...

وعلى هذا فلا يشترط في صحة جهاد الدفع أن يغلب على ظن الفئة المجاهدة في العراق أنها تملك من القدرة ما يحقق لها الظفر على الأعداء ، بل يكفي أن تتمكن من إحداث نكاية في العدو ولوكان ذلك بمجرد بث الرعب في قلوبهم وهذا حاصلٌ في العراق رغم أنف كل مكابر ...

الوجه الثالث:

أن القدرة شرط لوجوب الجهاد وليست شرطا في صحته ، وفرقٌ بين شرط الوجوب وشرط الصحة ....

فأهل العلم جعلوا القدرة شرط وجوب بمعنى أنه لا يجب جهاد الدفع إلا بشرط القدرة ، والمخذّلون جعلوا القدرة شرط صحة وهذا ما لم يسبقهم به أحدٌ من علماء المسلمين !!!!

ففرقٌ بين قول العلماء يجوز ، أو يرخص ، أو لابأس بترك الجهاد عند عدم القدرة ، وبين قول المخذّلون لا يجوز الجهاد عند عدم القدرة !!!

الوجه الرابع:

وهو مبنيٌ على فهم الوجه الثالث وهو أن النصوص دلّت على جواز الجهاد حتى مع عدم القدرة!!!

فقد دلت النصوص الشرعية أن غير القادر إذا تكلف الجهاد فجاهد لا شيء عليه ، ولو أدى هذا إلى قتله وعدم تحقيق الظفر على الأعداء مادام هذا يحقق مصلحة شرعية كإحداث نكاية في العدو أو بث للرعب في قلوبهم ، أو تجرئة لقلوب أهل الأيمان ونحو ذلك ، ولا يدخل هذا في إلقاء النفس إلى التهلكة كما يظن البعض ...

ومن ذلك حديث سلمة بن الأكوع حين أغار عبد الرحمن الفزاري ومن معه على سرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستاقه وقتل راعيه ، فتبعهم سلمة بن الأكوع وحده فمازال يرميهم بنبله حتى استخلص منهم ما أخذوه ، وقد جاء فيه من قول سلمة:"فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر ، قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي على إثره أبو قتادة الأنصاري ...، قال فأخذت بعنان الأخرم ، قال: فولوا مدبرين ، قلت: يا أخرم احذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، قال: ياسلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة ، قال فخليته فالتقى هو وعبد الرحمن ... وطعنه عبد الرحمن فقتله وتحول على فرسه ، ولحق أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن فطعنه فقتله ، فوالذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لتبعتهم أعدو على رجلي حتى ماأرى ورائي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم شيئا حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له: ذا قرد ، ليشربوا منه وهم عطاش قال فنظروا إلي أعدوا وراءهم فحليتهم عنه (يعني أجليتهم عنه ) فما ذاقوا منه قطرة ..."، وفيه من قول النبي صلى الله عليه وسلم:"كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة"أخرجه مسلم في صحيحه.

وقد أورد هذا الحديث ابن النحاس الدمياطي في كتابه: مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق في الجهاد وفضائله ، وبوب عليه بقوله: فضل انغماس الرجل الشجيع أو الجماعة القليلة في العدد الكثير رغبة في الشهادة ونكاية في العدو . ثم قال: ( وفي هذا الحديث الصحيح الثابت أدل دليل على جواز حمل الواحد على الجمع الكثير من العدو وحده وإن غلب على ظنه أنه يقتل إذا كان مخلصا في طلب الشهادة ،كما فعل الأخرم الأسدي رضي الله عنه ولم يعب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليه ، ولم ينه الصحابة عن مثل فعله ، بل في الحديث دليل على استحباب هذا الفعل وفضله ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مدح أبا قتادة وسلمة على فعلهما كما تقدم، مع أن كلا منهما قد حمل على العدو وحده ولم يتأن إلى أن يلحق به المسلمون ) مشارع الأشواق ص 539.

الوجه الخامس:

أننا لو فرضنا عدم القدرة في حال المجاهدين في العراق كما يريد المخذّلون ، فإن الجهاد لا يحرم عليهم كما نصّ على ذلك السلف الصالح الذين هم أسوتنا دون أشباه العلماء !!!

قال ابن قدامة رحمه الله: ( وإذا كان العدو أكثر من ضعف المسلمين فغلب على ظن المسلمين الظفر فالأولى لهم الثبات لما في ذلك من المصلحة ، وإن انصرفوا جاز لأنهم لا يأمنون العطب ...وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة والنجاة في الانصراف فالأولى لهم الانصراف ، وإن ثبتوا جاز لأن لهم غرضا في الشهادة ويجوز أن يغلبوا أيضا ) المغني ( 13/189 ) .

فلو ثبت أهل العراق مع فرض عدم القدرة لجاز لهم كما نصّ عليه ابن قدامة أفقه أهل زمانه !!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت