تروي لنا سيرته العطرة صورًا من إيثاره كشمس مُشرِقة في نهار السالِكين ونجم ساطع في ليل المهتدين، ومن ذلك إيثاره أصحابه على نفسه وهو جائع، الرسول كان يؤثر أصحابه الفقراء بشرب اللبن قبله، ولم يشرب إلا ما فضل بعدهم، وكان جائعًا مثلهم ، روى البخاري عن أبي هريرة قال: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمرّ أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمرّ فلم يفعل، ثم مرّ بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمرّ فلم يفعل، ثم مرّ بي أبو القاسم فتبسّم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي، قال: (( أبا هريرة ) )، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (( الْحَقْ ) )أي: اتبعني، ومضى فتبعته، فدخل فاستأذن فأُذِن لي، فدخل فوجد لبنًا في قَدَح، فقال: (( من أين هذا اللبن؟ ) )قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: (( أبا هريرة ) )، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (( الْحَقْ إلى أهل الصُّفَّة فادعهم لي ) )، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصُّفَّة؟! كنت أنا أحق أن أصيب من هذا اللبن شَرْبَة أتقوّى بها، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بُدّ، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: (( أبا هريرة ) )، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (( خذ فأعطهم ) )، قال: فأخذت القَدَح، فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يَرْوَى، ثم يردّ عليّ القَدَح، ثم أعطيه الآخر فيشرب حتى يَرْوَى، حتى انتهيت إلى النبي وقد رَوِيَ القوم كلهم، فأخذ القَدَح فوضعه على يده، فنظر إليّ فتبسّم، فقال: (( أبا هريرة ) )، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (( بقيت أنا وأنت ) )، قلت: صدقت يا رسول الله، فقال: (( اقعد فاشرب ) )فقعدت فشربت، فقال: (( اشرب ) )فشربت، فما زال يقول: (( اشرب ) )حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مَسْلكًا، قال: (( فأرني ) )، فأعطيته القَدَح، فحَمِدَ الله وسمّى، وشرب الفَضْلَة. رواه البخاري.
وفي الحديث ـ زيادة على إيثاره أصحابَه ـ تربيةُ غيره على الإيثار؛ لأن أبا هريرة هو الذي تعرّض للرسول لشدة جوعه، يريد الحصول على ما يقيم صُلْبَه، فجعله ينادي أهل الصُّفَّة، وطلب منه أن يسقيهم كلهم قبله، وهذا ما كان يخافه أبو هريرة، ولأنه خاف نفاد اللبن، فكثّره الله تكريمًا لرسوله .
من ذلك إيثاره بثياب يحتاج إليها، وإعطاؤها لرجل من المسلمين، روى البخاري عن سهل بن سعد قال: جاءت امرأة إلى النبي بِبُرْدَة مَنْسُوجَة فيها حاشِيَتُها، فقالت: يا رسول الله، أكسوك هذه، فأخذها النبي محتاجًا إليها، فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذه فاكسنيها، فقال: (( نعم ) )، فلما قام النبي لامَه أصحابُه، وقالوا: ما أحسنتَ حين رأيتَ النبي أخذها محتاجًا إليها ثم سألتَهُ إياها وقد عرفتَ أنه لا يُسأل شيئًا فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها رسول الله لعلّي أكفّن فيها. رواه البخاري.
ما قال: لا قَطّ إلا في تشهّده…لولا التشهّدُ كانت لاؤُهُ نَعَمُ
أحبّتي في الله، الإيثار هو علامة الإيمان والمظهر الخارجي للحب الصادق تجاه الإخوان، حيث التفاني والتضحية من أجل الآخرين لوجه الله، والمؤمن الصادق هو الذي يقدّم نفسه للخَطَر ليسلَم الآخرون، ويؤخّرها عند المكاسب ليغنموا، والمؤمن الصادق هو الذي يُتعِب نفسه من أجل راحة الآخرين، ويسهر ليله حتى ينام إخوانه، وهو لا يقيم وزنًا لحطام الدنيا حتى يقاتِل عليه أو ينفرد به.
فالأنصار لم يحبّوا إخوانهم المهاجرين ويتطهروا من الحسد تجاههم فحسب، بل وآثروهم على أنفسهم، ووصلوا من الإيثار سَنَامَه حينما تنازلوا عن حظّهم من الغنيمة رغم حاجتهم الشديدة، قال الله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9] ، فهم لم يجعلوا عَوَزَهُم وحاجتهم الشديدة تبريرًا لترك الإيثار.
ولا يغيب عنا أن الإيثار هو قمة الفضيلة، وأن بلوغها بحاجة إلى عملية تربوية متواصلة، وذلك بالاستعاذة بالله سبحانه من الحرص والبخل وشُحّ النفس، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9] . فبالقدر الذي يسعى الإنسان إلى المزيد من العلم والتقدّم ينبغي أن يسعى إلى تزكية نفسه وكمال أخلاقه، وإنما اعتبر القرآن الوقاية من شُحّ النفس هي الفلاح؛ لأن شُحّ النفس رأس كل خطيئة وانحراف في حياة الإنسان، فهو أساس الكفر والشرك والظلم والحسد، قال: (( اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّحّ؛ فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على سَفْك دمائهم واستحلال محارمهم ) )رواه مسلم. شُحّ النفس يؤدي إلى الأنانية وحبّ الذات، وهذا يؤدي بشكل طبيعي إلى الحسد والظلم.