لَقَد جَعَلَ الحَسَدُ وَحُبُّ الأَثَرَةِ بَعضَ النَّاسِ بَغِيضًا مُبَغَّضًا، غَيرَ مَألُوفٍ وَلا محبُوبٍ، ممَّا حَرَمَهُ كَمَالَ الإِيمَانِ وَلَذَّتَهُ، قَالَ: (( أَكمَلُ المُؤمِنِينَ إِيمَانًا أَحَاسِنُهُم أَخلاقًا المُوَطَّؤُونَ أَكنَافًا الذِينَ يَألَفُونَ وَيُؤلَفُونَ، وَلا خَيرَ فِيمَن لا يَألَفُ وَلا يُؤلَفُ ) ).
فَاتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ إِخوَانًا، وَأَحِبُّوا لإِخوَانِكُم مَا تُحِبُّونَ لأَنفُسِكُم، وَاعتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذكُرُوا نِعمَتَ اللهِ عَلَيكُم إِذْ كُنتُم أَعدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَانًا.
إِنَّنَا نَشتَكِي قِلَّةَ الأَمطَارِ وَتَأَخُّرَ الغَيثِ وَغَورَ الآبارِ، وَمِنَّا مَن لا يَجِدُ في رَاتِبِهِ بَرَكَةً وَلا سَدَادًا، وَآخَرُونَ يَشتَكُونَ الهَمَّ وَالغَمَّ وَالأَمرَاضَ النَّفسِيَّةَ وَالحَزَنَ، فَإِذَا مَا تَأَمَّلنَا في وَاقِعِنَا فَإِذَا التَّنَافُسُ عَلَى الدُّنيا وَالتَّحَاسُدُ على حُطَامِها أَشَدُّ مَا يَكُونُ بَينَنَا، وَهَذَا مَا خَشِيَهُ عَلَينَا النَّاصِحُ الحَبِيبُ صَلَواتُ رَبي وَسَلامُهُ عَلَيهِ، فَإِنَّهُ لمَّا جَاءَهُ أَبُو عُبَيدَةَ بِمَالٍ مِنَ البَحرَينِ وَصَلَّى مَعَهُ أُنَاسٌ مِنَ الأَنصَارِ صَلاةَ الفَجَرِ وَتَعَرَّضُوا لَهُ تَبَسَّمَ حِينَ رَآهُم ثم قَالَ: (( أَظُنُّكُم سَمِعْتُمَ أَنَّ أَبَا عُبَيدَةَ قَدِمَ بِشَيءٍ؟ ) )، قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (( فَأَبشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُم، فَوَاللهِ مَا الفَقرَ أَخشَى عَلَيكُم، وَلكني أَخشَى أَن تُبسَطَ عَلَيكُمُ الدُّنيا كَمَا بُسِطَت عَلَى مَن كَانَ قَبلَكُم، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهلِكَكُم كَمَا أَهلَكَتهُم ) ). وَصَدَقَ عليه الصلاةُ والسلامُ، فَإِنَّهُ لمَّا كَانَتِ الأَرزَاقُ في أَيدِي النَّاسِ قَلِيلَةً وَالأَحوَالُ مَيسُورَةً كَانُوا كَالإِخوَةِ وَإِنْ تَبَاعَدَت أَرحَامُهُم، فَلَمَّا وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِم وَأَغنَاهُم تَنَافَسُوا وَتَحَاسَدُوا وَاستَنكَرَ بَعضُهُم بعضًا، وَصَدَقَ اللهُ إِذ يَقُولُ: كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطغَى أَن رَّآهُ استَغنَى.
أَلا فَاتَّقُوا اللهَ، وَعُودُوا إِلى حِمَاهُ، وَاقنَعُوا وَعَلى اللهِ فَتَوَكَّلُوا، وَغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِكُم، وَطَهِّرُوهَا مِن الشُّحِّ وَالأَثَرَةِ وَحُبِّ الذَّاتِ، إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم.
الإيثار (1)
الإيثار هو تقديم الإنسان غيره على نفسه فيما هو في حاجة إليه من أمور الدنيا ابتغاء ثواب الآخرة، فهو أعلى درجات المعاملة مع الناس، يجلب حبّهم، ويطرد غضبهم، ويُذهِب حسدهم، فضلًا عما يجده صاحب الإيثار من الثواب الكبير والأجر العظيم والخير العَمِيم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9] .
أحبتي في الله، لقد بلغ رسول الله في الإيثار ذروته وقمّته، إذ كان أجود الناس بالخير قليله وكثيره، فقد كان كما قال الشاعر:
مُتَيَّمٌ بالنَّدَى لو قال سائلُه:…هَبْ لي جميعَ كَرَى عَيْنَيْكَ لم يَنَمِ
(1) - موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4439) محمد بن حمد الخميس - الدمام - 3/8/1425 -جامع الهدى