فهرس الكتاب

الصفحة 536 من 1664

إِنَّ الحَيَاةَ لأَغلَى مِن أَنْ تُضَاعَ في شَكوَى الآخَرِينَ وَالتَّضيِيقِ عَلَيهِم، وَإِنَّ الدّنيا لأَقَلُّ مَكَانَةً وَأَحقَرُ شَأنًا مِن أَنْ يجعَلَهَا مُؤمِنٌ لَهُ هَدَفًا وَيَتَّخِذَهَا غَرَضًا، فَلا يُقِيمُهُ وَيُغضِبُهُ إِلاَّ بُعدُها وَانفِلاتُها مِن يَدِهِ، وَلا يُقعِدُهُ وَيُرضِيهِ إِلاَّ قُربُها مِنهُ وَإِمسَاكُهُ بِزِمَامِهَا. إِنَّهُ لا أَفسَدَ لِدِينِ المَرءِ وَتَقوَاهُ وَلا أَشَدَّ تَنغِيصًا لِحَيَاتِهِ وَتَكدِيرًا لِعَيشِهِ مِن حِرصِهِ عَلَى الدُّنيا وَجَشَعِهِ في طَلَبِ المَالِ وَعَدَمِ رِضَاهُ بِمَا في يَدِهِ وَاشتِغَالِهِ بِالنَّظَرِ إلى مَا عِندَ الآخَرِينَ، قال: (( مَا ذِئبَانِ جَائِعَانِ أُرسِلا في غَنَمٍ بِأَفسَدَ لها مِن حِرصِ المَرءِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ ) )، وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: (( صَلاحُ أَوَّلِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالزُّهدِ وَاليَقِينِ، وَيَهلَكُ آخِرُها بِالبُخلِ وَالأَمَلِ ) ).

فُزْ بِرَاحَاتِ قَلبِكَ الغِرِّ يَا مَن…زَادَ مِن قُوتِ مَا يَرُومُ انزِعَاجُهْ

وَاطرَحِ الهَمَّ عَن فُؤَادِكَ وَاربَحْ…صَفوَ عَيشٍ إِنْ طِبتَ طَابَ نِتَاجُهْ

لا تَقُلْ قَلَّ دُونَ غَيرِيَ رِزقِي…كُلُّ رِزقٍ مُقَدَّرٌ إِخرَاجُهْ

قِسمَةُ اللهِ لا زِيَادَةَ فِيهَا…لا وَلا نَقصَ عَذبُهُ وَأُجَاجُهْ

وَالفَتى غَيرُ رِزقِهِ لم يَنلْهُ…وَلَوِ احتَالَ وَاستَطَالَ لِجَاجُهْ

كَمْ شُجَاعٍ أَرَادَ رِزقَ سِوَاهُ…يَحتَوِيهِ فَقُطِّعَتْ أَودَاجُهْ

وَلَكَمْ ضَمَّ رِزقَ غَسَّانَ حِصنٌ…فَغَزَوهُ وَهُدِّمَتْ أَبرَاجُهْ

صَاحِ لَو كَانَ فِيكَ رِزقُكَ مَا لَمْ…يَفتَحِ اللهُ عَاقَكَ استِخرَاجُهْ

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلكِ تُؤتي المُلكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ المُلكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الخَيرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيلَ في النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ في اللَّيلِ وَتُخرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَتَرزُقُ مَن تَشَاء بِغَيرِ حِسَابٍ.

الخطبة الثانية

أَمَّا بَعدُ: فاتقوا اللهَ تعالى وَأَطِيعُوهُ، وَرَاقِبُوا أَمرَهُ وَنهيَهُ ولا تَعصُوهُ، وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ مَخرَجًا وَيَرزُقْهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا.

ثم اعلَمُوا أَنَّهُ يجِبُ على المَرءِ أَن يَرضَى بِمَا قَسَمَهُ اللهُ لَهُ وَيَقنَعَ بِمَا أُوتيَ، وَأَن يَتَمَنَّى لإِخوَانِهِ وَيُحِبَّ لهم مِنَ الخَيرِ مَا يُحِبُّهُ لِنَفسِهِ، لا أَن يَكُونَ حَاسِدًا ضَائِقَ الصَّدرِ بِرِزقٍ لَيسَ في يَدِهِ زِيَادَتُهُ وَلا النَّقصُ مِنهُ، قال: (( وَالذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لا يُؤمِنُ عَبدٌ حتى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ مِنَ الخَيرِ ) ).

لَقَد أَرَادَ اللهُ بِحِكمَتِهِ وَعَدلِهِ أَن يجعَلَ أَرزَاقَ الناسِ مُتَفَاوِتَةً وَعَطَايَاهُ لهم مختَلِفَةً، فَيُوَسِّعَ على بَعضِهِم وَيُضَيِّقَ على آخَرِينَ، وَقَدَرُهُ في ذَلِكَ جَارٍ وَأَمرُهُ نَافِذٌ، وَلا أَحَدَ يَستَطِيعُ بِحِيلَةٍ أَو قُوَّةٍ أَن يُغَيِّرَ ممَّا قَضَى اللهُ شَيئًا، قال سُبحانَهُ: وَاللهُ فَضَّلَ بَعضَكُم عَلى بَعضٍ في الرِّزقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزقِهِم عَلَى مَا مَلَكَت أَيمَانُهُم فَهُم فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعمَةِ اللهِ يَجحَدُونَ، وقال تعالى: أَوَلم يَرَوا أَنَّ اللهَ يَبسُطُ الرِّزقَ لمن يَشَاءُ وَيَقدِرُ إِنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَومٍ يُؤمِنُونَ، وقال جل وعلا: مَا يَفتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَحمَةٍ فَلا مُمسِكَ لَهَا وَمَا يُمسِكْ فَلا مُرسِلَ لَهُ مِن بَعدِهِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ.

أَمَّا الحَسَدُ فَهُوَ فَضلًا عَن كَونِهِ وُقُوعًا فِيمَا نُهِيَ عَنهُ، فَهُوَ مُفسِدٌ لِحَيَاةِ صَاحِبِهِ، مُقلِقٌ لِرَاحَتِهِ، مُذهِبٌ لِنَعِيمِ قَلبِهِ وصَفَائِهِِ، مُزِيلٌ لِسَلامَةِ صَدرِهِ وَنَقَائِهِ، وَلَو لم يَكُنْ إِلاَّ هَذَا لَكَفَى بِهِ زَاجِرًا عَنهُ وَرَادِعًا، كَيفَ وَهُوَ وُقُوعٌ فِيما نَهَى عَنهُ حَيثُ قَالَ: (( لا تَقَاطَعُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخوَانًا ) )؟!

إِنَّ الكَبَائِرَ لِلطَّاعَاتِ مُفسِدَةٌ…وَإِنَّ أَفسَدَهَا لِلطَّاعَةِ الْحَسَدُ

لا تُضْمِرَنَّ عَلَى ذِي نِعمَةٍ حَسَدًا…إِنَّ الْحَسُودَ مِنَ الرَّحْمَنِ مُبتَعِدُ

وَاقْنَعْ بِرِزقِكَ فَالأَرزَاقُ قَد قُسِمَتْ…سِيَّانِ في الرِّزقِ بَطَّالٌ وَمُقتَصِدُ

فَإِنْ حَسَدْتَ امرَأً فِيمَا يُخَصُّ لَهُ…فَاذهَبْ فَمَا لَكَ إِلاَّ الإِثمُ وَالكَمَدُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت