ومجتمع الصحابة ضرب للبشرية أروع الأمثلة في الإيثار والبُعد عن شُحّ النفس، روى الإمام البخاري أنه لما قدم المهاجرون المدينة آخى رسول الله بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الرَّبِيع، قال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمّها لي أطلّقها، فإذا انقضت عدّتها فتزوجها، قال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلّوه على سوق بني قَيْنُقَاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغُدُو، ثم جاء يومًا وبه أثر صُفْرَة، فقال النبي: (( مَهْيَم؟! ) )قال: تزوجت، قال: (( كم سُقْتَ إليها؟ ) )قال: نَوَاة من ذهب. رواه البخاري.
إن سعدًا لم يكتف بعرض نصف ماله على أخيه عبد الرحمن بن عوف ، وكان المال كافيًا للنفقة على نفسه ولأداء مهر لامرأة يتزوجها والإنفاق عليها، لم يكتف سعد بذلك، بل أراد أن يتساوى هو وأخوه في الإسلام في كل ما يملك. وإذا كان سعد الأنصاري قد وصل إلى تلك القمة من الإيثار، فإن عبد الرحمن المُهَاجِرِي قد وصل إلى قمة الزهد والقناعة والاستغناء بالله عن الناس، فآثر أن يسعى بنفسه في كسب رزقه حتى أغناه الله.
إن المجتمع الذي يوجد فيه من يُؤثِر غيره على نفسه كما يوجد فيه من يزهد فيما عند غيره ويقتنع بما يؤتيه الله ويفضّل أن يُنفِقَ على نفسه من كَسْب يده، إنّ هذا المجتمع جدير بأن يعيش في أمن واستقرار، يظله الحب والتعاون والوئام.
ومن الأمثلة الرائعة للإيثار في مجتمع أصحاب رسول الله قصة الأنصاري وامرأته مع ضيف رسول الله ، حيث آثراه بقوت صبيانهما الصغار، وباتوا طَاوِين من أجل إشباع الضيف، روى الإمام البخاري عن أبي هريرة: أن رجلًا أتى النبي فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله: (( من يضيف هذا؟ ) )فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله ، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونوّمي صبيانك، فهيّأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونوّمت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طَاوِيين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله فقال: (( ضحك الله الليلة، أو عجب من فعالكما ) )، فأنزل الله: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9] . رواه البخاري مسلم. إن النفس الزكيّة هي التي تظهر شفافيتها عند مواطن الاختبار والاعتبار، فهي تجود حتى بزادها، وتؤثر على نفسها حتى بأعزّ ما تملك.
وقدمت لنا أم المؤمنين عائشة صورًا في إيثارها مشرفة كالأكاليل في رؤوس الأعمال، ومن ذلك ما رواه البخاري عن عمر قال لابنه عبد الله: اذهب لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقل لها: إن عمر يقرئك السلام، ثم سَلْها أن أدفن مع صاحبي في قبر النبي وقبر سيدنا الصديق وقبر فارغ، السيدة عائشة تركته لنفسها؛ لأنه قبر والدها وزوجها، هذا القبر الفارغ رغب فيه سيدنا عمر، فقال: استأذن لي أم المؤمنين عائشة، ثم سلها أن أدفن مع صاحبي، قالت: والله كنت أريده لنفسي، فلأوثرنه اليوم على نفسي.
إن حب المرأة لزوجها المحسن إليها بعد موته يتضاعف، وتتمنّى دائمًا أن تدفن بجواره، فكيف إذا كان هذا الزوج هو رسول الله ؟! إن الإنسان إذا ضَنَّ بشيء مثل هذا لا يُلام عليه، ومع ذلك فإن أُمّنا عائشة رضي الله عنها آثرت أميرَ المؤمنين عمر، وأذنت له أن يدفن بجوار رسول الله وبجوار أبيها، وقدمت بذلك أروع أمثلة الإيثار رضي الله عنها.
ولها رضي الله عنها موقف عظيم آخر في الإيثار يرويه الإمام مالك في الموطأ أنه بلغه عن عائشة زوج النبي أن مسكينًا سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف، فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه، فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه! فقالت: أعطيه إياه، قالت: ففعلت، قالت: فلما أمسينا أهدى لنا أهلُ بيت شاة، فدعتني عائشة، فقالت: كلي من هذا، فهذا خير من قُرْصِك. وبهذه النماذج المنيرة والمواقف العطرة امتلأت سيرة أتباع النبي .
فمن نوادر القصص في الإيثار ما أورده القرطبي قال: قال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ومعي شيء من الماء، وأنا أقول: إن كان به رَمَقٌ سقيته، فإذا أنا به، فقلت له: أسقيك؟ فأشار برأسه أن نعم، فإذا أنا برجل يقول: آه آه، فأشار ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم، فسمع آخر يقول: آه آه، فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات.
ما أعظم الإيثار في هذه اللحظة! وما أجلّ هذه الشَّرْبة الهنيئة التي سيتجرّعها كلُ واحد منهم في الجنة بإذن الله بسبب إيثاره لإخوانه بالشراب قبله حتى وافته المنية!
اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنّا بعدهم، ولا تحرمنا أجر الإيثار مثلهم.