فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 1664

والتنكير في {امْرَأَةً} للنوعية: والمعنى: ونعلمك أنا أحللنا لك امرأة مؤمنة بقيد أن تهب نفسها لك وأن تريد أن تتزوجها فقوله: {للنبيء} في الموضعين إظهار في مقام الإضمار. والمعنى: إن وهبت نفسها لك وأردت أن تنكحها. وهذا تخصيص من عموم قوله: {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} فإذا وهبت امرأة نفسها للنبيء صلى الله عليه وسلم وأراد نكاحها جاز له ذلك بدون ذينك الشرطين ولأجل هذا وصفت {امْرَأَةً} بـ {مُؤْمِنَةً} ليعلم عدك اشتراط عدا الإيمان. وقد عدة زينب خزيمة الهلالية وكانت تدعى بالجاهلية أم المساكين اللاتي وهبنا أنفسهن ولم تلبث عنده زينب هذه إلا قليلا فتوفيت وكان تزوجها سنة ثلاث من الهجرة فليست مما شملته الآية. ولم يثبت أن النبيء صلى الله عليه وسلم تزوج غيرها ممن وهبت نفسها إليه وهن: أم شريك بنت جابر الدوسية واسمها عزية، وخولة بنت حكيم عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسها فقالت عائشة: أما تستحيي المرأة أن تهب نفسها للرجل، وامرأة أخرى عرضت نفسها على النبيء صلى الله عليه وسلم. روى ثابت البناني عن أنس قال:"جاءت امرأة إلى رسول الله فعرضت عليه نفسها فقالت: يا رسول الله ألك حاجة بي? فقالت ابنة أنس - وهي تسمع إلى رواية أبيها: ما أقل حياءها واسأوتاه واسواتاه. فقال أنس: هي خير منك رغبت في النبيء فعرضت عليه نفسها". وعن سهل بن سعد أن امرأة عرضت نفسها على النبيء صلى الله عليه وسلم فلم يجبها. فقال رجل:"يا رسول الله زوجنيها، إلى أن قال له، ملكناكها بما معك من القرآن"فهذا الصنف حكمه خاص بالنبيء صلى الله عليه وسلم ذلك أنه نكاح مخالف لسنة النكاح لأنة بدون مهر وبدون ولي.

وقد ورد أن النسوة اللاتي وهبن أنفسهن للنبيء صلى الله عليه وسلم أربع هن: مميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة الأنصارية الملقبة أم المساكين، وأم شريك بنت جابر الأسدية أو العامرية، و خولة بنت حكيم بنت الأوقص السلمية. فأما الأوليان فتزوجهما النبيء صلى الله عليه وسلم وهما من أمهات المؤمنين.

ومعنى {وَهَبَتْ نَفْسَهَا للنبيء} أنها ملكته نفسها تمليكا شبيها بملك اليمين ولهذا عطفت على {مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} وأردف بقوله: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} أي خاصة لك أن تتخذها زوجه بتلك الهبة، أي دون مهر وليس لبقية المؤمنين ذلك. ولهذا لما وقع في حديث سهل بن سعد المتقدم أن امرأة وهبت نفسها للنبيء صلى الله عليه وسلم وعلم الرجل الحاضر أن النبيء عليه الصلاة والسلام لا حاجة له بها سئل النبيء عليه الصلاة والسلام أن يزوجه إياها علما منه بأن تلك الهبة لا مهر معها ولم يكن للرجل ما يصدقها إياه، وقد علم النبيء صلى الله عليه وسلم منه ذلك فقال له: ما عندك ? قال: ما عندي شيء. قال: اذهب فالتمس ولو خاتما من حديد فذهب ثم رجع فقال: لا والله ولا خاتم من حديد، ولمن هذا إزاري فلها نصفه. قال سهل: ولم يكن له رداء فقال النبيء:"وما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء وأن لبسته لم يكن عليك منه شيء - ثم قال له - ماذا معك من القرآن? فقال: معي سورة كذا وسورة كذا لسور يعددها. فقال النبيء صلى الله عليه وسلم: ملكناكها بما معك من القرآن".

وفي قوله: {إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا للنبيء} إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال: إن وهبت نفسها لك. والغرض من هذا الظهار ما في لفظ {النبيء} من تزكية فعل المرأة التي تهب نفسها بأنها راغبة لكرامة النبوة.

وقوله: {إِنْ أَرَادَ النبيء أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} جملة معترضة بين جملة {إِنْ وَهَبَتْ} وبين {خَالِصَةً} وليس مسوقا للتقييد إذ لا حاجة إلى ذكر إرادة نكاحها فإن هذا معلوم من معنى الإباحة، وإنما جيء بهذا الشرط لدفع توهم أن يكون قبوله هبتها نفسها له واجبا عليه كما كان عرف أهل الجاهلية. و جوابه محذوف دل عليه ما قبله، والتقدير: إن أراد أن يستنكحها فهي حلال له، فهذا شرط مستقل و ليس شرطا في الشرط الذي قبله.

والعدول عن الإضمار في قوله: {إِنْ أَرَادَ النبيء} بأن يقال: إن أراد أن يستنكحها لما في إظهار لفظ {النبيء} من التفخيم و التكريم.

وفائدة الاحتراز بهذا الشرط الثاني إبطال عادة العرب في الجاهلية وهي أنهم كانوا إذا وهبت المرأة نفسها للرجل تعين عليه نكاحها و لم يجز له ردها فابطل الله هذا الالتزام بتخيير النبيء عليه الصلاة والسلام في قبول هبة المرأة نفسها له وعدمه, وليرفع التعيير عن المرأة الواهبة بأن الرد مأذون به.

والسين والتاء في {يَسْتَنْكِحَهَا} ليستا للطلب بل هما لتأكيد الفعل كقول النابغة:

وهم قتلوا الطائى بالحجر عنوة ... أبا جابر فاستنكحوا أم جابر

أي بنو حن قتلوا أبا جابر الطائى فصارت أم جابر المزوجة بأبي جابر زوجة بني حن، أي زوجة رجل منهم. وهي مثل السين والتاء في قوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} [آل عمران: 195] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت