فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 1664

فتبين من جعل جملة {إِنْ أَرَادَ النبيء أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} معترضة أن هذه الآية لا يصح التمثيل بها لمسألة اعتراض الشرط على الشرط كما وقع في رسالة الشيخ تقي الدين السبكي المجعولة لاعتراض الشرط على الشرط وتبعه السيوطي من الفن السابع من كتاب"الأشباه والنظائر النحوية"، ويلوح من كلام صاحب"الكشاف"استشعار عدم صلاحية الآية لاعتبار الشرط في الشرط فأخذ يتكلف لتصوير ذلك.

وانتصب {خَالِصَةً} على الحال من {امْرَأَةً} ، أي خالصة لك تلك المرأة، أي هذا الصنف من النساء. والخلوص معنى به عدم المشاركة، أي مشاركة بقية الأمة في هذا الحكم إذ مادة الخلوص تجمع معاني التجرد من المخالطة. فقوله: {مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} لبيان حال من ضمير الخطاب في قولة: {لَكَ} ما في الخلوص من الأجمال في نسبته. وقد دل وصف {امْرَأَةً} بأنها {مُؤْمِنَةً} أن المرأة غير المؤمنة لا تحل للنبيء علية الصلاة والسلام بهبة نفسها. ودل ذلك بدلالة لحن الخطاب أنة لا يحل للنبيء صلى الله عليه وسلم تزوج الكتابيات بلة المشركات، وحكى إمام الحرمين في ذلك خلافا. قال أبن العربي: والصحيح عندي تحريمها عليه. وبهذا يتميز علينا، فأن ما كان من جانب الفضائل والكرامة فحضه فيه أكثر وإذا كان لا تحل له من لم تهاجر لنقصانها فضل الهجرة فأخرى أن لا تحل له الكتابية الحرة. {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} . جملة معترضة بين جملة {مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} وبين قولة {لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} أو هي حال سببي من المؤمنين، أي حال كونهم قد علمنا ما نفرض عليهم.

والمعنى: أن المؤمنين مستمر ما شرع لهم من قبل في أحكام الزواج وما ملكت أيمانهم، فلا يشملهم ما عين لك من الأحكام الخاصة المشروعة فيما تقدم آنفا، أي قد علمنا أن ما فرضناه عليهم في ذلك هو اللائق بحال عموم الأمة دون ما فرضناه لك خاصة.

و {مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ} موصل وصلته، وتعدية {فَرَضْنَا} بحرف"على"المقتضي للتكليف والإيجاب للإشارة إلى أن من شرائع أزواجهم وما ملكت أيمانهم ما يودون أن يخفف عنك كن عدد الزوجات وإيجاب المهور والنفقات، فإذا سمعوا ما خص به النبيء صلى الله عليه وسلم من التوسعة في تلك الأحكام ودوا أن يلحقوا به في ذلك فسجل الله عليهم أنهم باقون على ما سبق شرعة لهم في ذلك. والإخبار بأن الله قد علم ذلك كناية عن بقاء تلك الإحكام لأن معناه أنا لم نفعل عن ذلك، أي لك نبطله بل عن علم خصصنا نبينا بما خصصناه به في ذلك الشأن، فلا يشمل ما أحللناه له بقية المؤمنين.

وظرفية {فِي} مجازية لأن المظروف هو الأحكام الشرعية لا ذوات الأزواج وذوات ما ملكته الأيمان.

{لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} .

تعليل لما شرعه الله تعالى في حق نبيه صلى الله عليه وسلم في الآيات السابقة من التوسعة بالازدياد من عدد الأزواج وتزو ج الواهبات أنفسهن دون مهر، وجعل قبول هبتها موكولا لأرادته، وبما أبقى له من مساواته أمته فيما عدى ذلك منت الإباحة فلم يضيق عليه، وهذا تعليم وامتنان.

والحرج: الضيق, والمراد هنا أدنى الحرج ما في التكليف من بعض الحرج الذي لا تخلوا عنه التكاليف، وأما الحرج القوي فمنفي عنه وعن أمته. ومراتب الحرج متفاوتة، ومناط ما ينفى عن الأمة منها وما لا ينفى، وتقديرات أحوال انتفاء بعضها للضرورة هو ميزان التكليف الشرعي فالله أعلم بمراتبها واعلم بمقدار تحرج عباده وذلك مبين في مسائل العزيمة والرخصة من علم الأصول، وقد حرر ملاكه شهاب الدين القرافي في الفرق الرابع عشر من كتابه"أنواء البروق". وقد أشبعنا القول في تحقيق ذلك في كتابنا المسمى"مقاصد الشريعة الإسلامية".

واعلم أن النبيء صلى الله عليه وسلم سلك في الأخذ بهذه التوسعات التي رفع الله بها قدره مسلك الكمال من عباده وهو أكملهم فلم ينتفع لنفسه بشيء منها فكان عبدا شكورا كما قال في حديث استغفاره ربه في اليوم استغفارا كثيرا.

والتذييل بجملة {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} تذييل لما شرعه من الأحكام للنبيء صلى الله عليه وسلم لا للجملة المتعرضة، أي أن ما أردناه من نفي الحرج عنك هو من متعلقات صفتي الغفران والرحمة اللتين هما من تعلقات الإرادة والعلم فهما ناشئان عن صفات الذات، فلذلك جعل اتصاف الله بهما أمرا متمكنا بما دل عليه فعل {كَانَ} المشي إلى السابقية والرسوخ كما علمته في مواضع كثيرة.

وقال ابن العربي (1) :

(1) - أحكام القرآن لابن العربي - (ج 6 / ص 379)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت