فهرس الكتاب

الصفحة 461 من 1664

"الصنف الثاني": نساء من قريب قراباته صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه أو جهة أمه مؤمنات مهاجرات. وأغنى قوله: {هَاجَرْنَ مَعَكَ} عن وصف الإيمان لأن الهجرة لا تكون إلا بعد الإيمان، فأباح الله للنبيء عليه الصلاة والسلام أن يتزوج من يشاء من نساء هذا الصنف بعقد النكاح المعروف فليس له أن يتزوج في المستقبل امرأة من غير هذا الصنف المشروط بشرط القرابة بالعمومة أو الخؤولة وشرط الهجرة. وعندي: أن الوصفين ببنات عمه وعماته وبنات خاله وخالاته، وبأنهن هاجرن معه غير مقصود بهما الاحتراز عمن لسن كذلك ولكنه وصف كاشف مسوق للتنويه بشأنهن.

وخص هؤلاء النسوة من عموم المنع تكريما لشأن القرابة والهجرة التي هي بمنزلة القرابة لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا} [لأنفال: 72] . وحكم الهجرة انقضى بفتح مكة. وهذا الحكم يتجاذبه الخصوصية للرسول صلى الله عليه وسلم والتعميم، لأمته الذين تكون لهم قرابة بالمرأة كهذه القرابة تزوج أمثالها، والمرأة التي لم تستوف هذا الوصف لا يجوز للرسول عليه الصلاة والسلام تزوجها، وهو الذي درج عليه الجمهور، ويؤيده خبر روي عن أم هانئ بنت أبي طالب. وقال أبو يوسف: يجوز لرجال أمته نكاح أمثالها. وباعتبار عدم تقيد نساء الرسول صلى الله عليه وسلم بعدد يكون هذا الطلاق خاصا به دون أمته إذ لا يجوز لغيره تزوج أكثر من أربع.

وبنات عم النبيء صلى الله عليه وسلم هن بنات أخوة أبيه مثل: بنات العباس وبنات أبي طالب وبنات أبي لهب. وأما بنات حمزة فإنهن بنات أخ من الرضاعة لا يحللن له وبنات عماته هن بنات عبد المطلب مثل زينب بنت جحش التي هي بنت أميمة بنت عبد المطلب.

وبنات خاله هن بنات عبد مناف بن زهره وهن أخوال النبيء صلى الله عليه وسلم عبد يغوث ابن وهب أخو آمنة ولم يذكروا أن له بنات، كما أني لم أقف على ذكر خالة لرسول الله فيما رأيت من كتب الأنساب والسير. وقد ذكر في"الإصابة"فريعة بنت وهب وذكروا هالة بنت وهب الزهرية إلا أنها لكونها زوجة عبد المطلب وابنتها صفية عمة رسول الله فقد دخلت من قبل في بنات عمه.

وإنما أفرد لفظ"عم"وجمع لفظ"عمات"لأن العم في استعمال كلام العرب يطلق على أخي الأب ويطلق على أخي الجد وأخي جد الأب وهكذا فهم يقولون: هؤلاء بنو عم أو بنات عم، إذا كانوا لعم واحد أو لعدة أعمام، ويفهم المراد من القرائن. قال الراجز انشده الأخفش:

ما برئت من ريبة وذم ... في حربنا إلا بنات العم

وقال رؤبة بن العجاج:

قالت بنات العم يا سلمى وإن ... كان فقيرا معدما قالت وإن

فأما لفظ"العمة"فإنه لا يراد به الجنس في كلامهم، فإذا قالوا: هؤلاء بنو عمة، أرادوا أنهم بنو عمة معنية، فجيء في الآية: {عَمَّاتِكَ} جمعا لئلا يفهم منه بنات عمة معينة. وكذلك القول في إفراد لفظ"الخال"من قوله: {بَنَاتِ خَالِكَ} وجمع الخالة في قوله: {وَبَنَاتِ خَالاتِكَ} .

وقال قوم: المراد ببنات العم وبنات العمات: نساء قريش، والمراد ببنات الخال: النساء الزهريات، وهو اختلاف نظري محض لا ينبني عليه عمل لأن النبيء قد عرفت أزواجه.

وقوله: {اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} صفه عائده إلى {بَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ} كشأن الصفة الواردة بعد مفردات وهو شرط تشريع لم يكن مشروطا من قبل.

والمعية في قوله: {اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} معية المقارنة في الوصف المأخوذ في فعل {هَاجَرْنَ} فليس يلزم أن يكن قد خرجن مصاحبات له في طريقه إلى الهجرة.

"الصنف الثالث": امرأة تهب نفسها للنبيء صلى الله عليه وسلم أي تجعل نفسها هبة له دون مهر، وكذلك كان النساء قبل الإسلام يفعلن مع عظماء العرب، فأباح الله للنبيء أن يتخذها زوجه له بدون مهر إذا شاء النبيء صلى الله عليه وسلم ذلك، فهذه حقيقة لفظ {وَهَبَتْ} ، فالمراد من الهبة: تزويج نفسها بدون عوض، أي بدون مهر، وليست هذه من الهبة التي تستعمل في صيغ النكاح إذا قارنها ذكر صداق لأن ذلك اللفظ مجاز في النكاح بقرينة ذكر الصداق ويصح اخذ النكاح به عندنا وعند الحنفية خلافا للشافعي.

فقوله: {وَامْرَأَةً} عطف على {أَزْوَاجَكَ} . والتقدير: وأحللنا لك امرأة مؤمنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت