فهرس الكتاب

الصفحة 460 من 1664

فقوله تعالى: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} خبر مراد به التشريع. ودخول حرف"إن"عليه لا ينافي إرادة التشريع إذ موقع"إن"هنا مجرد الاهتمام،ولاهتمام يناسب كلا من قصد الإخبار وقصد الإنشاء،ولذلك عطفت على مفعول {أَحْلَلْنَا} معطو فات قيدت بأوصاف لم يكن شرعها معلوما من قبل وذلك في قوله: {وَبَنَاتِ عَمِّكَ} وما عطف عليه باعتبار تقييدهن بوصف {اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} ، وفي قوله: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا} باعتبار تقيدها بوصف الإيمان وتقييدها بـ"إن وهبت نفسها للنبيء وأراد النبيء أن يستنكحها". هذا تفسير الآية على ما درج عليه المفسرون على اختلاف قليل بين أقوالهم.

وعندي: أن الآية امتنان وتذكير بنعمة على النبيء صلى الله عليه وسلم. وتأخذ من الامتنان الإباحة ويؤخذ من ظاهر قوله: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} [الأحزاب: 52] الاقتصار على اللاتي في عصمته منهن وقت نزول الآية ولتكون هذه الآية تمهيدا لقوله تعالى: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} الخ.

وسيجيء ما لنا في معنى قوله: {مِنْ بَعْدُ} وما لنا في موقع قوله: {إِنْ أَرَادَ النبيء أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} .

ومعنى {أَحْلَلْنَا لَكَ} الإباحة له، ولذلك جاءت مقابلته بقوله عقب تعداد المحللات له {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} .

وإضافة أزواج إلى ضمير النبيء صلى الله عليه وسلم تفيد أنهن الأزواج اللاتي في عصمته فيكون الكلام إخبارا لتقرير تشريع سابق ومسوقا مساق الامتنان،ثم هو تمهيد لما سيتلوه من التشريع الخاص بالنبيء صلى الله عليه وسلم من قوله: {اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} إلى قوله: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} [الأحزاب: 52] . وهذا هو الوجه عندي في تفسير هذه الآية.

وحكى أبن الفرس عن الضحاك وابن زيد أن المعنى بقوله: {أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} أن الله احل أن يتزوج كل امرأة يصدقها مهرها فأباح له كل النساء،وهذا بعيد ن مقتضى إضافة أزواج إلى ضميره. وعن التعبير بـ {آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} بصيغة المضي. وأختلف أهل التأويل في محمل هذا الوجه مع قوله تعالى في آخر الآية: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} فقال قوم: هذه ناسخة لقوله: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} ولو تقدمت عليها في النلاوة. وقال آخرون: هي منسوخة بقوله: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} .

و {اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} صفه لـ {أَزْوَاجَكَ} ، أي وهن النسوة اللاتي تزوجتهن على حكم النكاح الذي يعم الأمة فالماضي في قوله: {آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} مستعمل في حقيقته. وهؤلاء فيهن من هن من قراباته وهن القرشيات منهن: عائشة، وحفصة، وسودة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وفيهن من لسن كذلك وهن جويرية من بني المصطفى، وميمونة بنت الحارث من بني هلال، وزينب أم المساكين من بني هلال، وكانت يومئذ متوفاة، وصفية بنت حيي الإسرائيلية.

وعطف على هؤلاء نسوة أخر وهن ثلاث أصناف:

"الصنف الأول": ما ملكت يمينه مما أفاء الله عليه، أي مما أعطاه الله من الفيء وهو ما ناله المسلمون من العدو بغير قتال ولكن تركه العدو، أو مما أعطي للنبيء صلى الله عليه وسلم مثل مارية القبطية أم أبنه إبراهيم فقد أفاءها الله عليه إذ وهبها إليه المقوقس صاحب مصر وإنما وهبها إليه هدية لمكان نبوته فكانت بمنزلة الفيء لأنها ما لوحظ فيها إلا قصد المسألة من جهة الجوار إذ لم تكون له مع الرسول صلى الله عليه وسلم سابق صحبة ولا معرفة والمعروف أن النبيء صلى الله عليه وسلم لم يتيسر غير مارية القطبية. وقيل أيضا: إنه تسرى جارية أخرى وهبت له زوجه زينب ابنة جحش ولم يثبت. وقيل أيضا: إنه تسرى ريحانة من سبي قريضة اصطفاها لنفسه ولا تشملها هذه الآية لأنها ليست من الفيء ولكن من المغنم إلا أن يراد بـ {مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ} المعنى الأعم للفيء وهو ما يشمل الغنيمة. وهذا الحكم يشركه فيه كثيرا من الأمة من كل من أعطاه أميره شيئا من القيء، كما قال تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الحشر: 7] فمن أعطاه الأمير من هؤلاء الأصناف أمة من الفيء حلت له.

وقوله: {مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ} وصف لما ملكت يمينك وهو هنا وصف كاشف لأن المراد به مارية القطبية، أو هي وريحانة إن ثبت أنه تسراها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت