فهرس الكتاب

الصفحة 459 من 1664

قال الشوكانى: والحاصل أن الله - سبحانه - فوض الأمر إلى رسوله صلى الله عليه وسلم كى يصنع مع زوجاته ما شاء ، من تقديم وتأخير ، وعزل وإمساك ، وضم من أرجأ ، وإرجاء من ضم إليه ، وما شاء في أمرهن فعل توسعة عليه ، ونفيا للحرج عنه .

وإسم الإشارة في قوله: { ذَلِكَ أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ . . . } يعود إلى ما تضمنه الكلام السابق من تفويض أمر الإِرجاء والإِيواء إلى النبى صلى الله عليه وسلم .

وأدنى بمعنى أقرب . { تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ } كناية عن تقبل ما يفعله معهن برضا وارتياح نفس . يقال قرت عين فلان ، إذا رأت ما ترتاح لرؤيته ، مأخوذ من ا لقرار بمعنى الاستقرار والسكون . .

وقوله: { وَلاَ يَحْزَنَّ } معطوف على { أَن تَقَرَّ } وقوله { وَيَرْضَيْنَ } معطوف عليه - أيضا - .

والمعنى ، ذلك شرعناه لكل من تفويض الأمر اليك في شأن أزاجك ، أقرب إلى رضى نفوسهن لما تصنعه معهن ، واقرب إلى عدم حزنهن وإلى قبولهن لما تفعله معهن ، لأنهن يعلمن أن ما تفعله معهن إنما هو من الله - تعالى - وليس باجتهاد منك ، ومتى علمن ذلك طابت نفوسهن سواء ويت بينهن في القسم والبيتوتة والمجامعة . . أم لم تسو .

قال القرطبى: قال قتادة وغيره: أى: ذلك التخيير ذلك خيرناك في حصبتهن أدنى إلى رضاهن ، إذ كان من عندنا - لا من عندك - ، لأنهن إذا علمت أن الفعل من الله قرت أعينهن بذلك ورضين . .

وكان - عليه الصلاة والسلام - مع هذا يشدد على نفسه في رعاية التسوية بينهن ، تطييبا لقلوبهن ويقول:"اللهم هذه قدرتى فيما أملك ، فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك".

وقوله - سبحانه - { والله يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ } خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم ولأزواجه ، ويندرج فيه جميع المؤمنين والمؤمنات وجمع بجمع الذكور للتغليب .

أى: والله - تعالى - يعلم ما في قلوبكم من حب وبغض ، ومن ميل إلى شئ ، ومن عدم الميل إلى شئ آخر .

قال صاحب الكشاف: وفى هذه الجملة وعيد لمن لم ترض منهن بما دبر الله - تعالى - من ذلك ، وبعث على تواطؤ قلوبهن والتصافى بينهن ، والتوافق على طلب رضا رسولا لله صلى الله عليه وسلم وما فيه طيب نفسه .

{ وَكَانَ الله } - تعالى - { عَلِيمًا } بكل ما تظهره القلوب وما تسره { حَلِيمًا } حيث لم يعاجل عباده بالعقوبة قبل الإرشاد والتعليم .

ثم كرم - سبحانه - أمهات المؤمنين بعد تكريمه لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال: { لاَّ يَحِلُّ لَكَ النسآء مِن بَعْدُ . . . } .

أى: لا يحل لك ، - أيها الرسول الكريم - أن تتزوج بنساء أخريات من بعد التسع اللائى في عصمتك اليوم ، لأنهم قد اخترنك وآثرنك على زينة الحياة الدنيا ، ورضين عن طيب نفس أن يعشن معك وتحت رعايتك ، مهما كان في حياتك معهن من شظف العيش ، والزهد في متع الدنيا .

وقال الطاهر بن عاشور (1) :

نداء رابع خوطب به النبيء صلى الله عليه وسلم في شأن خاص به هو بيان ما أحل له من الزوجات والسراري وما يزيد عليه وما لا يزيد مما بعضه تقرير لتشريع له سابق وبعضه تشريع له للمستقبل،ومما بعضه يتساوى فيه النبيء عليه الصلاة والسلام مع الأمة وبعضه خاص به أكرمه الله بخصوصيته مما هو توسعه عليه،أو مما روعي في تخصيصه به علو درجته.

ولعل المناسبة لورودها عقب الآيات التي قبلها أنه لما خاض المنافقون في تزوج النبيء صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش وقالوا: تزوج من كانت حليلة متبناه، أراد الله أن يجمع في هذه الآية من يحل للنبيء تزوجهن حتى لا يقع الناس في تردد ولا يفتنهم المرجفون. ولعل ما حدث من استنكار بعض النساء أن تهدي المرأة نفسها لرجل كان من مناسبات اشتمالها على قوله: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا للنبيء} الآية، ولذلك جمعت الآية تقرير ما هو مشروع وتشريع ما لم يكن مشروعا لتكون جامعه للأحوال، وذلك أوعب وأقطع للتردد والاحتمال.

فأما تقرير ما هو مشروع فذلك من قوله تعالى: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} إلى قوله: {وَبَنَاتِ خَالاتِكَ} ، وأما تشريع ما لم يكن مشروعا فذلك من قوله {اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} إلى قوله {وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} [الأحزاب: 52] .

(1) - التحرير والتنوير - (ج 21 / ص 289)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت