أى: هذا الذى أحللناه لك - أيها الرسول الكريم - هو خاص بك ، أما بالنسبة لغيرك من المؤمنين فقد علمنا ما فرضناه عليهم في حق أزواجهم من شرائط العقد وحقوقه ، فلا يجوز لهم الإِخلال بها ، كما لا يجوز لهم الاقتداء بك فيما خصك الله - تعالى - به ، على سبيل التوسعة عليك ، والتكريم لك ، فهم لا يجوز لهم التزوج إلا بعقد وشهود ومهر ، كما لا يجوز لهم أن يجمعوا بين أكثر من أربع نسوة .
وعلمنا - أيضا - ما فرضناه عليهم بالنسبة لما ملكت أيمانهم ، من كونهن ممن يجوز سبيه وحربه ، لا ممن لا يجوز سبيه ، أو كان له عهد مع المسلمين .
وقوله: { لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ } متعلق بقوله: { أَحْلَلْنَا } وهو راجع إلى جميع ما ذكر ، فيكون المعنى:
أحللنا من آتيت أجورهن من النساء ، والمملوكات ، والأقارب ، والواهبة نفسها لك ، لندفع عنك الضيق والحرج ، ولتتفرغ لتبليغ ما أمرناك بتبليغه .
وقيل: إنه متعلق بخالصة ، أو بعاملها ، فيكون المعنى: خصصناك بنكاح من وهبت نفسها لك بدون مهر ، لكى لا يكون عليك حرج في البحث عنه .
وترى بعضه أنه متعلق بمحذوف ، أى: بينا لك ما بينا من أحكام خاصة بك ، حتى تخرج من الحرج ، وحتى يكون ما تفعله هو بوحى منا وليس من عند نفسك .
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: { وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا } أى: وكان الله - تعالى - وما زال واسع المغفرة والرحمة لعباده المؤمنين .
وقوله - عز وجل - { تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ } شروع في بيان جانب آخر من التوسعة التى وسعها - سبحانه - لنبيه صلى الله عليه وسلم في معاشرته لنسائه ، بعد بيان ما أحله له من النساء .
وقوله: { تُرْجِي } من الإِرجاء بمعنى التأخير والتنحية ، وقرئ مهموزا وغير مهموز . تقول: أرجيت الأمر وأرجأته ، إذا أخرته ، ونحيته جانبا حتى يحين موعده المناسب .
وقوله: { وتؤوي } من الإِيواء بمعنى الضمر والتقريب ، ومنه قوله - تعالى -: { وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ . . } أى: ضمة إليه وقربه منه .
والضمير في قوله { مِنْهُنَّ } يعود إلى زوجاته صلى الله عليه وسلم اللائى كن في عصمته .
قال القرطبى ما ملخصه: واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ، وأصح ما قيل فيها: التوسعة على النبى صلى الله عليه وسلم في ترك القَسْم ، فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته .
وهذا القول هو الذى يناسب ما مضى ، وهو الذى ثبت معناه في الصحيح ، عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: كنت أغار على اللائى وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول: أو تهب المرأة نفسها لرجل؟ فلما أنزل الله - تعالى -: { تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ . . . } .
قالت: قلت: والله ما رأى ربك إلا يسارع في هواك .
قال ابن العربى: هذا الذى ثبت في الصحيح هو الذى ينبغى أن يعول عليه . والمعنى المراد: هو أن النبى صلى الله عليه وسلم كان مخيرا في أزواجه ، إن شاء أن يقسم قسم ، وإن شاء أن يترك القسم ترك . لكنه كان يقسم من جهة نفسه ، تطييبا لنفوس أزواجه .
وقيل كان القسم واجبا عليه ثم نسخ الوجوب بهذه الآية .
وقيل: الآية في الطلاق . أى: تطلق من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء .
وقيل: المراد بالآية: الواهبات أنفسهن له صلى الله عليه وسلم .
ثم قال القرطبى: وعلى كل معنى ، فالآية معناها التوسعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والإِباحة ، وما اخترناه أصح والله أعلم .
أى: لقد وسعنا عليك - أيها الرسول الكريم - في معاشرة نسائك ، فأبحنا لك أن تؤخر المبيت عند من شئت منهن ، وأن تضم إليك من شئت منهن ، بدون التقيد بوجوب القسم بينهن ، كما هو الشأن بالنسبة لأتباعك حيث أوجبنا عليهم العدل بين الأزواج في البيوتة وما يشبهها .
ومع هذا التكريم من الله - تعالى - لنبيه ، إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان يقسم بينهن إلى أن لحق بربه؟ عدا السيدة سودة ، فإنها قد وهبت ليلتها لعائشة . .
أخرج البخارى عن عائشة رضى الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية ترجى من تشاء منهن . .
فقيل: لها ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول: إن كان ذاك إليَّ فإنى لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدا .
وقوله - تعالى -: { وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ } . زيادة في التوسعة عليه صلى الله عليه وسلم وفى ترك الأمر لإرادته واختياره .
أى: أبحنا لك - أيها الرسول الكريم - أن تقسم بين نسائك ، وأن تترك القسمة بينهن ، وأبحنا لك - أيضا - أن تعود إلى طلب من اجتنبت مضاجعتها إذ لا حرج عليك في كل ذلك . بعد أن فوضنا الأمر إلى مشيئتك واختيارك .
فالابتغاء بمعنى الطلب ، وعزلت اجتنبت واعتزلت وابتعدت ، و { مَّنْ } شرطية ، وجوابها: { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ } أى: فلا حرج ولا إثم عليك في عدم القسمة بين أزواجك ، وفى طلب إيواء من سبق لك أن اجتنبتها .