فهرس الكتاب

الصفحة 1004 من 1664

وكذلك حرم الإسلام السرقة لأنها من الفساد في الأرض قال سبحانه تعالى (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) ( سورة البقرة آية 205 )

وجعل حدها القطع محافظة على أموال الناس من الضياع ومانعًا لأصحاب الأطماع من أخذ مال الغير بغير حق ، وزاجرًا لكل معتد أثيم تسول له نفسه أن يمد يده إلى ما ليس من حقه إلا برضى صاحبه وعن طيب نفس .

و إن النصوص القرآنية الكثيرة تدل على أن الفساد ممنوع بحكم الشرع ، وقد وضعت الشريعة الأحكام المنظمة لذلك والعقوبات الحامية لهذه الأحكام

الباب الثاني

ويشمل أربعة فصول: الفصل الأول: الشروط المتعلقة بالسارق

لقد اشتراط الفقهاء شروطًا معينة في السارق ، بعضها اتفقوا عليه ، والبعض الآخر اختلفوا فيه وذلك على النحو الآتي 0

1ـ الشرط الأول:ـ شرط التكليف:أي أن يكون السارق بالغا عاقلًا . وهذا الشريط أجمع عليه الفقهاء،فالصغير والمجنون ليسا أهلا للعقوبة.واستدل الفقهاء على ذلك: بما رواه أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ ،وعن الطفل حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يبرأ أو يعقل ) ( مسند أحمد 6/101)

وجه الدلالة من الحديث أن الرسول أخبر أن القلم مرفوع عن الصبي والمجنون ، وفي قطعهما إجراء للحد عليهما ، وهو مخالف للنص لتنافي ذلك مع ما ورد من أنهما غير مكلفين ،فوجب أن يكون السارق مكلفًا ، والذكر والأنثى في ذلك سواء ، لعموم قوله تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ( سورة المائدة آية 38 )

2ـ الشرط الثاني:ـ أن يكون السارق مختارا في الفعل:أي غير مكره على إتيانه .

وهذا الشرط أختلف الفقهاء فيه على قولين:

القول الأول:جمهور الفقهاء ( شرح فتح القدير ج 5 ص355، حاشية الدسوقي ج 4 ص 404 ،الإقناع في الفقه الشافعي ج 2 ص235، المغني ج 10 ص288 )

.فذهبوا إلى أنّ عدم الإكراه على السرقة شرط لابد منه في السارق لتستوفي العقوبة شروطها ,فلا يقطع المكره على السرقة عندهم , لأنه كالآلة في يد المكره . واستدلوا على ذلك:بما روي ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ( المستدرك على الصحيحين ج21ص216 )

ووجه استدلالهم من هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنّ الشخص الذي يفعل شيئا منهيا عنه شرعا في حالة الإكراه لا إثم عليه , ومتى انتفى الإثم عنه فلا عقوبة , والقطع عقوبة فلا يجري على المكره على السرقة , وإنما ينفذ على من أقدم عليها مختارًا .

القول الثاني:ذهب الظاهرية إلى عدم اشتراط ذلك . فالاختيار ليس بشرط عندهم , فلو أكره مكلف على السرقة قطعت يده . قال ابن حزم: والإكراه على الفعل إن كانت لا تبيحه الضرورة - كالقتل والجراح والضرب وإفساد المال - فهذا لا يبيحه الإكراه . فمن اكره على شيء من ذلك لزمه القود والضمان لأنه محرم عليه إتيانه (المحلى ج 9 ص 259 )

الترجيح: هذا وأرجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من اشتراط الاختيار , لأن الإكراه ينفي الاختيار فهما لا يلتقيان أبدً لأن المكره يكون كالآلة في يد المكره , وهذا ما أفاده حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) ( المستدرك على الصحيحين ج 21ص216 )

3ـ الشرط الثالث: أن يكون السارق حرًا: أختلف الفقهاء في هذا الشرط على قولين:

القول الأول: وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من عدم اشتراط الحرية في القطع ( شرح القدير ج 5 ص360، حاشية الدسوقي ج 4 ص433، الإقناع في الفقه الشافعي ج 2 ص132، المغني ج 10 ص274 )

وقد استدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بالكتاب وعمل الصحابة والمعقول:

فأما الكتاب: فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ( سورة المائدة آية 38)

وجه الدلالة إنّ الله تعالى أوجب قطع السارق من غير تفريق بين حرّ و رقيق ,ذلك أنّ الآية وردت بصيغة العموم , ولم يرد في كتاب ولا سنة ما يخصص هذا العموم , بل ثبت ما يؤيده من عمل بعض الصحابة فيبقى القطع على عمومه .

وأما عمل الصحابة: فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنّه أتي برقيق لحاطب ابن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة فانتحروها ,فأمر كثيّر بن الصلت أن تقطع أيديهم ,ثم قال عمر: والله إني أراك تجيعهم ولكن لأغرمنك غرمًا يشق عليك،ثم قال للمزني كم ثمن ناقتك قال:أربعمائة درهم .قال عمر:أعطه ثمانمائة درهم وكذلك روي أن عبدًا أقر بالسرقة عند علي رضي الله عنه فقطعه ( المغني ج10 ص 275)

ووجه الاستدلال بهذا الأثر أنّ كثير بن الصلت قطع أيدي الرقيق في السرقة , وعلم بذلك عمر،ولم ينكر عليه ذلك , كما أن عليًا قطع يد العبد الذي أقر عنده بالسرقة , فكان هذا دليلًا على قطع يد العبد إذا سرق , كالحر تمامًا . قال ابن قدامة: هذه قصص انتشرت في زمن الصحابة , ولم تنكر فتكون إجماعًا ( المغني ج 10 ص275 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت