* وأما المعقول: فقالوا إنّه من المتفق عليه: أن حد السرقة يجب توقيعه عند ثبوت موجبه ,حماية للأموال وحفاظًا لها , ولو ما قيل بأن العبد السارق لا تقطع يده لا تنفت هذه القاعدة, ولأدى ذلك إلى ضياع أموال الناس ( فتح القدير ج 5ص360)
القول الثاني: ما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنه إلى اشتراط الحرية لإقامة الحد على السارق . فحكي عنه أنّه قال: لا قطع على الرقيق ذكرً كان أو أنثى ( المغني ج 10 ص 274 )
وقد استدل ابن عباس على ما ذهب إليه من اشتراط الحرية بما يلي:
1ـ قياس القطع في السرقة على الرجم في الزنا , بجامع أن كلا منهما حد لا يمكن تصنيفه , فكما أنه لا يجب رجم الرقيق المحصن إذا زنى , كذلك لا يجب قطعه إذا سرق
2ـ إن الرق منقص للنعمة , فيترتب عليه إنقاص العقوبة , لأن الجناية عند توافر النعم أفحش مما يستلزم تغليظ العقوبة . يقول تعالى: (يا نساء النبي من يأتي منكم بفاحشة مبيّنة يضاعف لها العذاب ضعفين) (سورة الأحزاب آية 30)
.فلو قيل بإقامة الحد على العبد في السرقة لتساوى مع الحر في ذلك , وهو مالا يجوز لما تقدم .
وقد أجاب جمهور الفقهاء على ما استدل به ابن عباس بما يلي:
1ـ نمنع أن العلة هي إمكان التنصيف , لجواز أن يكون ذلك مع وجود ما يقوم مقام الرجم في دفع مفسدة الزنا , وهو الجلد, بخلاف السرقة .فإنه تعالى لم يجعل لها إلا حدًا واحدًا , وهو القطع . فلما استحال تصنيف الرجم بالنسبة للعبد المحصن الزاني ,كان الجلد .أما القطع فقد دفعت الضرورة إلى تكميله بسبب استحالة تصنيفه , ولا بديل له , فيكون قياس حد القطع على حد الزنا غير صحيح ( شرح العناية على الهداية ج 5ص360)
2ـ إنّ الضرورة تدفع إلى إقامة حد السرقة على العبد , وتساويه مع الحر في ذلك, لأن إسقاط الحد على الرقيق تعطيل له,وإهدار للمحافظة على الأموال والتي هي إحدى الضروريات التي تحافظ عليها الشريعة الإسلامية ( المغني ج 10ص275 )
الترجيح: و إنّي أرجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من عدم اشتراط الحرية وذلك:
لقوة أدلتهم , ومناقشتهم حجة الفريق الثاني , وردّهم لها , ولأن ذلك يؤدي إلى سد الذرائع ودرء المفاسد , لما فيه من حماية للأموال وصيانة لها من الضياع , ذلك أن القطع لو لم يشرع عقوبة للأرقاء على اعتدائهم بالسرقة على أموال الغير , لكانت مهددة بخطر اعتدائهم عليها , فلم تحصل الحكمة المقصودة من شريعة القطع حدًا في السرقة .
4ـ الشرط الرابع: الالتزام بأحكام الإسلام: يشترط في السارق حتى توقع عليه عقوبة القطع أن يكون ملتزما لأحكام الإسلام , لأنه لا ولاية للإمام على غير الملتزم للأحكام .لذا أجمع الفقهاء على أن المسلم والذمي يقام عليهما حد السرقة إذا سرقا لأن كل منهما ملتزم بأحكام الإسلام . المسلم بإسلامه , والذمي بعقد الذمة الذي ارتضاه ودفع الجزية بمقتضاه .
واختلفوا في الحربي المستأمن إذا سرق على قولين:
القول الأول: يذهب إلى أنّ الالتزام بالأحكام الإسلامية شرط لإقامة حد السرقة , فلا بد أنّ يكون السارق ملتزما للأحكام حتى يقام الحد عليه .وبناء على هذا الرأي لا يقام الحد على الحربي المستأمن إذا سرق .وأصحاب هذا الرأي هم أبو حنيفة ومحمد ( حاشية ابن عابدين ج3ص266) .وأحد قولي الإمام الشافعي ( نيل الأوطار ج 7 ص118)
كما أنه قول في مذهب الإمام أحمد بن حنبل ( المغني ج10 ص276 )
وقد استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1ـ إنّ دخول الحربي المستأمن دار الإسلام ليس للإقامة فيها , وإنما لمجرد المرور , أو لحاجة يقضيها , والاستئمان لا يلزمه بجميع أحكام الشريعة , وإنما يلزمه بما يتفق مع غرضه من دخول دار الإسلام وبما
يعود إلى تحقيق مقصده , إذ أنّه متعلق بحقوق العباد , وبمقتضاه يلتزم بالإنصاف , وكف الأذى في مقابلة الالتزام له بإنصافه وكف الأذى عنه , ولما كان حق الله تعالى غالبا في السرقة فإنها لا تلزم المستأمن ولا يؤاخذ بها بخلاف ما يمس حقوق العباد مباشرًا كالقذف , فإنّ المستأمن يؤاخذ به ( فتح القدير ج 5 ص 355 )
وعلى ذلك لا قطع على المستأمن .
2ـ إن المستأمن لم يلتزم بأحكام الشريعة لعدم دخوله فيها , ولعدم قبوله الدخول في عقد الذمة , فيكون إقامة الحد عليه إلزامًا له بما يلتزم به . وعلى هذا لا قطع على المستأمن المحارب .
3ـ إن المستأمن المحارب يأخذ مال المسلم أو الذمي معتقدًا إباحته لكونه محاربًا . وهذا الاعتقاد شبهة تسقط الحد عنه , كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قول الرسول عليه الصلاة والسلام (ادرؤوا الحدود بالشبهات ) ( المحلى ج 8 ص253 ، نيل الأوطار ج7 ص 272 )
ولذا فلا قطع على المستأمن .
القول الثاني: يذهب إلى الالتزام بالأحكام الإسلامية ليس بشرط في إقامة حد السرقة . وبناء على هذا الرأي فإنّ الحربي المستأمن يطبق عليه الحد إذا سرق ,وقد قال بهذا القول المالكية ( شرح الدردير ج4ص405، بلغة السالك ج2 ص 376 )
وأبو يوسف من الأحناف ( حاشية ابن عابدين ج3 ص 266)
كما أنّه الرأي الراجح عند الشافعية ( كفاية الاختيار في حل غاية الاختصار ج2 ص 188) . والحنابلة ( كشاف القناع ج 4ص 85 )